‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

2018/05/08

أصحيح أنه (لا يفتي قاعد لمجاهد)


أصحيح أنه (لا يفتي قاعد لمجاهد)
انتشرت على ألسنة كثير من الإسلاميين قاعدة صارت من المسلمات عندهم، وهي قولهم (لا يفتي قاعد لمجاهد)، وصار كثيرون منهم – للأسف – يسيئون استخدام هذه العبارة، حتى صار استخدامها سيفًا مسلطًا من فئة من (الجهلة) و(الأغرار) ضد أهل العلم والوعي والفقه.
وحتى في المواقف السياسية ترى البعض ينبري لمن يدلي برأيه في تلك الأحداث من المخلصين المنشغلين بهموم الأمة، ناقدًا أو ناصحًا، فيُشهر في وجهه هذه القاعدة، ويريد منعه من إبداء الرأي والقيام بواجب النصح.
ليست المشكلة – في نظري – في القاعدة نفسها، فالذي أراه أنها قاعدة صحيحة عندما تفهم في سياقها الصحيح، ولكن المشكلة في فهم هذه القاعدة وتوظيفها (أي تطبيقها على الأحداث التفصيلية).
ولغايات التوضيح سأطرح بعض التساؤلات مع الإجابة عليها:
السؤال الأول الذي يجب الوقوف عنه هو: ما المقصود بـ (الفتوى) هنا؟
الاستفتاء في اللغة يعني السؤال عن أمر أو عن حكم مسألة ما، أما في الاصطلاح الشرعي فهو مقيد بأن تكون تلك المسألة متعلقة بحكم شرعي.
والأصل أن قاعدة (لا يفتي قاعد لمجاهد) تشمل المعنى اللغوي، أي ما هو أعمّ من بيان الحكم الشرعي، وذلك يتضمن ترجيح أحد المباحات.
ومعلوم عند أهل العلم الشرعي أن لكل مسألة حكمًا شرعيًّا عامًّا ينطبق عليها، ففي الجهاد – مثلًا – الحكم الشرعي في إحراق أشجار العدو إن كان في ذلك نكاية بهم وتحقيق مصلحة لجيش المسلمين هو الجواز، والوصول إلى مثل هذا الحكم والإفتاء فيه لا يحتاج أن يكون المفتي فيه (أي المبين لحكم الشرع فيه) من المجاهدين، إذ الوصول للحكم هنا ينطلق من النظر في الأدلة الشرعية، وهي مهمة أهل العلم الشرعي، وهذا النوع من الفتوى لا تنطبق عليه القاعدة التي نتكلم عنها.
ولكنّنا عندما نأتي لتنزيل هذا الحكم العام على واقعة معيّنة فإننا نحتاج لمعرفة مدى تحقيق هذا الفعل للنكاية في العدو وكونه مصلحة للمسلمين، حتى نقوم بتطبيقه، وهذا أمر لا يستطيعه من هو بعيد عن الحدث أو غير مطلع على تفاصيله، وهذا هو الذي تنطبق عليه القاعدة، ولكن يجب الانتباه إلى أن العبرة في جواز الإفتاء (أو إبداء الرأي هنا) هي في الاطلاع على التفاصيل، فلربما كان في ساحة الجهاد من هو قريب منها مكانًا، ولكنه غير مطلع على التفاصيل التي يُتَّخذ القرار بناءً عليها، بينما هناك من هو بعيد عنها مكانيًّا وهو على اطلاع بالتفاصيل اللازمة لإبداء الرأي، فهذا لا يقال له (لا يفتي قاعد لمجاهد).
والسؤال الثاني الذي نقف عنده: من هو القاعد الذي لا يصح له أن يفتي للمجاهد؟
إذ البعض يعتبر كل من لا يحمل السلاح (قاعدًا)، وفي هذا الفهم ما فيه من الخلل، لقد ذكر الإمام الطبري في تفسيره أن (القاعدين) هم (المتخلِّفون عن الجهاد ...، المؤثرون الدعةَ والخَفْض وَالقُعودَ في منازلهم).
ومعلوم – بداهة – أن الجهاد ليس في حمل السلاح فقط، فالطبيب الذي يعالج الجنود في الجيش مجاهد، والطباخ الذي يطعمهم كذلك، والعين الذي يزودهم بالأخبار مجاهد، والواعظ الذي يرفع معنوياتهم، والعالم الذي يفتيهم، كل أولئك وهم يتحملون قسطهم من الجهاد ويسدّون ثغرة من الثغرات مجاهدون وليسوا قاعدين.
والمشكلة عندما تشهر هذه القاعدة في وجه رجال أمضوا معظم أعمارهم في ساحات الجهاد، نعم قد تكون الساحات الخلفية المساندة، ولكن بدونها لم يكن للجهاد العملي أن تقوم له قائمة، فيُتهمون بأنهم من القاعدين، مع أن القاعدين – كما أوضحنا – هم الذين آثروا الخمول والدعة، بينما هؤلاء دفعوا ضريبة مواقفهم، ولا يمنّون بهذا على أحد بل لله تعالى عليهم الفضل والمنّة.
أما السؤال الثالث في هذا السياق فهو: من هو (المجاهد) الذي لا يصح لـ (القاعد) الاعتراض على فتواه؟
(الفتوى) كما أسلفنا هي (إبداء الرأي في مسألة لبيان الموقف اللازم اتخاذه فيها).
ويجب أن يكون واضحًا أنه ليس كل من انطبق عليه لفظ (مجاهد)، سواء كان جهاده مباشرًا بحمل السلاح أم غير مباشر (بالدعم اللوجيستي) يصلح لتؤخذ منه مثل هذه الفتوى، فالفتوى لا تؤخذ إلا من أهلها، وأهلها لا بدّ أن يتمتعوا بتأهيل علمي ومعرفة بالواقع تمكّنهم من بيان الرأي الذي ينبغي اتباعه.
أما أن يأتي (غِرٌّ) حمل السلاح، ولم يصل شواطئ العلم فضلًا عن أن يغوص في بحاره، وليست له في الواقع وظروفه وتوازناته كبير خبرة، بل هو لا يرى أبعد من أرنبة أنفه، ثم إذا نصحته أو وجهته قال لك لا يفتي قاعد لمجاهد، فَلَعَمري إن تلك إحدى الدواهي.
وكما قال أحد الإخوة الأفاضل ممن اكتوى بنيران النقد لنشره رأيًا له ينتقد فيه بعض إخوانه، وهذا الفاضل من المجاهدين وليس من القاعدين، فهاجمه كثيرون من السطحيين بتلك العبارة، فكتب يقول:
"هذه العبارة من أكثر العبارات التي أضرت بالإسلام، فقد وكلت أمر الإسلام والجهاد لمجموعة من الشباب، وحرمت حركة الجهاد من الإطار الفكري والسياسي، وحتى الإطار الشرعي العميق، لذلك تحولت حركات الجهاد في كثير من البلدان إلى حركات صبيانية تم اختراقها وآذت المسلمين أكثر مما آذت غيرهم، لذلك يجب أن يفتي أصحاب الفتاوي الشرعية والسياسية والاقتصادية، سواء كانوا قاعدين أو مجاهدين، فالفتوى بحد ذاتها جهاد".
ومع موافقتي لغالب ما قال، إلا أنني أعتقد أن الضرر حصل من سوء فهم هذه العبارة، لا منها نفسها.

م. عيسى الجعبري
7/5/2018

2018/03/28

من وحي غزوة تبوك


كن أبا خيثمة
إن لم تكن عثمان، فلا أقل من أن تكون أبا خيثمة.
أما عثمان فهو ذو النورين أمير المؤمنين س، لما نادى منادي رسول الله ص للتجهز إلى جيش العسرة، خرج بنفسه في الجيش، وبذل ماله لتجهيزه، حتى قال فيه رسول الله ص (مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ).
نعم، الأصل والمطلوب منك أن تكون مبادرًا كـ (عثمان)، لا تركن إلى الدنيا، ولا تغريك أثقال الأرض.
ولكن أينا لديه من الإيمان أن يكون كـ (عثمان)؟؟
أينا يكون ممن يسمع نداء (انفروا في سبيل الله) فلا تشدّه أثقال الأرض؟؟
لا أزعم أن أمثال هؤلاء مفقودون، ولكنهم نادرون، أما نحن فأثقال الدنيا تجذبنا، اثّاقلنا إلى الأرض، وغرنا متاع الدنيا، ونسينا أن متاع الحياة الدنيا في الآخر قليل.
ولكن الفرص لا تنتهي، فإن لم تكن كـ (عثمان) فيمكنك أن تكون كـ (أبي خيثمة) تستدرك ما فاتك، وتلحق بالركب.
أتدرون ما هي قصة أبي خيثمة.
كان أبو خيثمة من الأنصار، من صحابة رسول الله ص، ولما خرج جيش المسلمين إلى تبوك، في الغزوة التي سميت غزوة العسرة لما رافقها من مشقة وظروف قاسية، فقد جاءت في وقت حرٍّ شديد، وحالٍ ضيّق، وكان العدو فيها دولة عظمى، بعيدة الديار، فتخلف من في قلبه ضعف عن الخروج مع رسول الله ص، وكان أبو خيثمة ممن تخلف.
بعد أيام من مسير الرسول ص إلى تبوك، رجع أبو خيثمة إلى منزله في يوم حارٍّ، فدخل حائطه والنخل مدللة بثمرها، وكانت امرأته مختضبة متزينة، وقد رشّت له العريش بالماء لتبرّده له، وهيأت له طعامًا وماءً باردًا.
نعم كانت زينة الحياة الدنيا حاضرة عنده، وأثقال الأرض تجذبه نحوها، ولكنه كان أبا خيثمة، الأنصاري، الذي تربى على مائدة رسول الله ص، والذي وإن غفل لحظة، وأدركه الضعف ساعة، فإنه لا يترك نفسه سادرّة في غيّها.
نظر أبو خيثمة إلى امرأته فأعجبته، ونظر إلى ما أعدّته له، فانتفض، نعم، هكذا هم أهل الإيمان، وصفهم الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) [الأعراف: 201].
ما الذي تذكره أبو خيثمة حينها؟
لقد تذكر حبيبه ص الذي يسير مع جيش أصحابه عبر الصحراء اللاهبة، تذكر أن هذا المتاع الذي أمامه هو متاع الحياة الدنيا القليل بجانب ما أعدّه الله تعالى في الآخرة لأهل طاعته.
فقال: هلكتُ وربِّ الكعبة، أصبحتُ في ظلٍّ بارد، وماءٍ بارد، وطعامٍ مهيَّأ، وامرأة حسناء، ورسول الله ص في الحَرّ والسَّموم، في عنقه السيف، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ما هذا بالنَّصَف.
ثم أخذ قراره من لحظته:
لن يدخل العريش المهيّأ، ولن يتمتع بهذا النعيم الزائل، ولن يركن إلى أثقال الأرض، بل سيسعى لاستدراك ما فات، واللحاق بركب جيش الرسول ص وأصحابه.
أخبر زوجته بذلك، وطلب منها أن تجهّز له زاد رحلته؛ تمراتٍ وإداوة ماء، ثم ركب بعيره وانطلق.
نادته امرأته وهو يرتحل: يا أبا خيثمة هَلُمَّ أكلمْك، فقال لها: والذي نفسي بيده لا ألتفت إلى أهلي، ولا مالي حتى آتي رسول الله ص ليستغفر لي.
ثم خرج يحثُّ الخُطا في طلب رسول الله ص حتى أدركه بتبوك حين نزلها، وعندما دنا من معسكر المسلمين أشرف المسلمون ينظرون إليه، وقالوا: يا رسول الله! هذا راكب من قبل المدينة.
كان لهذا الراكب أن يكون أيَّ واحد ممن تخلفوا عن الجيش في المدينة، أو ممن تخلفوا عنه أثناء الطريق، فقد كان الذين يصيبهم الضعف يتخلفون أثناء الطريق، إذ ليس كل من سلك الطريق سيستمر فيها، ففيهم من سيتعب، ويجبن ويندم.
غير أن الرسول ص قال حينها (كُنْ أبا خيثمة).
تخيلوا، رسول الله ص بنفسه الشريفة يأمل من الله تعالى أن يكون هذا القادم أبا خيثمة، علامَ يدلُّ ذلك؟
ألا يدلُّ على حبّ الرسول ص لأبي خيثمة؟!
ألا يدلُّ على معرفة الرسول ص بمعادن رجاله الذين ربّاهم على يده؟!
ألا يدلُّ على أن الرسول ص كان يدرك أن الإيمان الذي في قلب أبي خيثمة لن يتركه في انجذابه للدنيا وتركه الجهاد؟!
الذين قعدوا عن السلوك في طريق العمل في سبيل الله كثيرون، وكثير منهم هم ممن نحبهم ونحب أن يعودوا لهذا الطريق، وكثير من هؤلاء هم ممن نعرف معادنهم، ونأمل أن لا تخبو جذوة الإيمان في قلوبهم، ألا يشعر كل واحد منا عندما تكون هناك سبيل طاعة برغبة عارمة في أن يكون هؤلاء الذين يحبهم من سالكيه، فتراه يدعو بينه وبين نفسه: (كن فلانًا).   
(كُنْ أبا خيثمة).
وهكذا كان، فقالوا: يا رسول الله! هو والله أبو خيثمة.
وأتى أبو خيثمة يبكي، ولا أدري أكان بكاؤه بكاء الحزن على ما فاته من أجر بتأخره عن الخروج مع الجيش أول مسيره، أم كان بكاء الفرح بأنه استدرك ما فات؟
عاتبه حبيبُه ص، وحُقَّ للمحبّ والمربي أن يعاتب من يحبّ من أتباعه على تقصيرهم لئلا يعودوا للتقصير، وهو عتاب الحريص على عدم تكرار الخطأ، لا عتاب المبكّت اللائم، فقال له: ما خَلَّفك يا أبا خيثمة؟ أولى لك.
(أولى لك)، كلمة كانت العرب تستخدمها للدعاء بالمكروه والتهديد والوعيد، كأنه يقول له: لقد دنوت من الهلكة يا أبا خيثمة.
فقال له أبو خيثمة: كدتُّ يا نبي الله أن أهلك بتخلفي عنك، وتزينت لي الدنيا، وتزين لي مالي في عيني، وكدت أن أختاره على الجهاد، فعزم الله علي بالخروج.
لم يحاول اختلاق المبررات، ولا الاعتذار، بل بكل بساطة اعترف بأن زينة الدنيا خدعته، وأنه كاد يختارها على الجهاد، فاستغفر له رسول الله ص، ودعا له بالبركة والخير.
للأسف فإن كثيرين ممن يتخلفون من أحبابنا يزين لهم الشيطان أن تخلفهم لم يكن لركونهم إلى الدنيا، بل كان بناء على قناعات فكرية يحاولون ابتكار دلائل عليها، أو لفساد وانحراف عند القيادة يعملون على تضخيمه لتبرير قعودهم، وهؤلاء –  الذين لا يعترفون بحقيقة ما دفعهم – للتراجع سيبتعدون أكثر فأكثر يومًا بعد يوم، حتى يصلوا لمرحلة يقتنعون فيها بما اختلقوه من أعذار ومبررات، وعندها لن يكون طريق العودة عندهم ميسّرًا كما كان عند أبي خيثمة.
كل واحد منا قد يكون مرّ بتجربة كتجربة أبي خيثمة، شدته الدنيا وأقعدته عن العمل، إما في مسيره كله، أو في بعض محطاته، فيا أخي الحبيب، يا من لا زالت نفسك اللوامة التي بين جنبيك تعاتبك على قعودك، ولم ينجح شيطانك في إقناعك بمبررات لذلك، حاول أن تكون أبا خيثمة، فالطريق للالتحاق بركب السالكين مفتوح، والاستدراك ممكن، فـ (كن أبا خيثمة).

م. عيسى خيري الجعبري
28/3/2018

2018/03/05

بين صلاح الحاكم وإصلاح النظام (رؤية نقدية لعصر صلاح الدين الأيوبي)


لا ينكر أحدٌ من المخلصين في هذه الأمة عَظَمة صلاح الدين الأيوبي – رحمه الله – وما قدّمه من إنجازات للأمة، وقبله، ولربما هو – في نظري – أعظم منه؛ لأن صلاح الدين كان حسنَةً من حسناته كان هناك نور الدين محمود بن زنكي.
لقد كان صلاح الدين من النماذج الفريدة التي مرَّت على الأمة، ولو أردنا أن نستعرض مناقبه لما أسعفتنا عدة مقالات لإنجاز ذلك، وقد يكفي أن نشير إلى بعض ما قاله فيه العلماء والمؤرخون:
فقد وصفه الإمام الذهبي بأنه "كان خليقًا للإمارة، مهيبًا، شجاعًا، حازمًا، مجاهدًا، كثير الغزو، عاليَ الهمة".
ووصف تأثر الناس بموته، فقال "ما رأيت مَلِكًا حزن الناس لموته سواه، لأنه كان محبَّبًا، يُحبّه البَرُّ والفاجر، والمسلم والكافر".
وقال المؤرخ الموفق الموصلي: "أتيت، وصلاح الدين بالقدس، فرأيت ملكا يملأ العيون روعة، والقلوب محبّة، قريبًا بعيدًا، سهلًا، محّببًا، وأصحابه يتشبهون به، يتسابقون إلى المعروف".
وقد ذكر القاضي ابنُ شدَّاد أنه عندما مات – رحمه الله – لم يُخَلّف فِي خزانته من الذَّهب والفضَّة إلا (47) درهمًا، ودينارًا واحدًا ذهبًا، ولم يخلف مِلْكا لا دارًا ولا عقارًا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة.
هذه العَظَمَة الفريدة شابتها شائبة، ومثلها كان أيضًا في تاريخ نور الدين زنكي، وهذه الشوائب يجب أن نقف عندها لنستفيد منها، فالتاريخ مرآة المستقبل، يتوجب علينا الكشف عن عثراته لئلا نكرر الوقوع فيها، وقبل الحديث عن هذه الشائبة سأقدّم بالقول أن الذي يتحمل مسؤوليتها بشكل رئيسي لم يكن صلاح الدين وقبله نور الدين، بل الذي يتحمل مسؤوليته هم أهل العلم الشرعي والفقهاء في زمانهم والزمان الذي قبلهم.
عندما مات صلاح الدين أوصى بالملك بعده لأولاده وقسم البلاد بينهم:
فأعطى ملك الديار المصرية لولده العزيز (عماد الدين عثمان).
وأعطى ولده الأفضل (نور الدين علي)، وهو أكبر أولاده، بلاد دمشق وما حولها.
وأعطى المملكة الحلبية لولده الظاهر (غازي غياث الدين).
أما أخوه الملك العادل، فقد أعطاه الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلادًا كثيرة في قاطع الفرات.
وأعطى حكم مناطق أخرى أقل من هذه أهمية لبعض أبناء أخيه وبني عمومته.
وقبله كان الملك الصالح نور الدين زنكي الذي قال ابن الأثير أنه لم يَرَ في السِّيَر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسنَ من سيرته، ولا أكثر تحرِّيًا منه للعدل، قد أوصى بالملك بعده لولده الصالح إسماعيل، وكان صغيرًا، لم يبلغ الحُلُم، ولما حضرته الوفاة أخذ العهد على الأمراء من بعده لولده هذا.
كانت النتيجة لعملية (التوريث) هذه أن عملية الإصلاح التي بدأها (نور الدين) انتكست بعد وفاته (في سنة 569 هـ)، فقد نشبت الصراعات بين أمراء الدولة الزنكية الذين كان كلٌّ منهم يريد الاستفراد بالوصاية على هذا الغلام الصغير، والحكم باسمه، وقامت حروب بينهم، واضطر صلاح الدين الأيوبي للقدوم بجيشه من مصر لفض النزاع، وتولى الحكم نيابة عن ابن نور الدين، ثم استمرت الصراعات والنزاعات حتى استطاع صلاح الدين توحيد البلاد التي كانت تحت حكم نور الدين مرة أخرى، ودان له أمراؤها بالطاعة بعد جهد جهيد ومعارك طويلة، وبعدها استطاع صلاح الدين تحرير بيت المقدس.
وبقيت البلاد موحدة في عهد صلاح الدين حتى حانت وفاته، ووزع الممالك التي كانت تحت حكمه بين أولاده وأقاربه، الذين ما لبثوا وتنازعوا، فبعد نحو سنة من وفاة صلاح الدين سار ابنه العزيز، ملك مصر، بجيشه إلى دمشق ليأخذها من أخيه الأفضل، فحاصر البلد، ومانعه أخوه، ودافعه عنها فقطعت الأنهار ونهبت الثمار، واشتد الحال، ولم يزل الأمر كذلك حتى قدم العادل عمُّهُما فأصلح بينهما، وبعدها بنحو سنة أخرى عاد ملك مصر – العزيز – وبصحبته عمه العادل – ملك الكرك – وحاربا ملك دمشق واستوليا عليها منه.
ثم نشبت نزاعات بين ملوك الأسرة الأيوبية، لها أولٌ ولا آخر لها، واستمرت حتى سقطت الدولة الأيوبية.
عندما أوصى صلاح الدين بالملك لأولاده من بعده، وقسم البلاد بينهم كان يقصد – فيما نظنّ به – الحفاظَ على استقرار المملكة؛ لأن الفقهاء السابقين ومن سار على نهجهم مقلّدًا لهم برروا فتاواهم بقبول نقل الحكم عبر التوريث بأنه يحقق (مصلحة استقرار الحكم) ويدرأ (الفتنة)، وهكذا صار التوريث أمرًا مقبولًا عند فقهاء السياسة الشرعية في تلك العصور، ولم يكن صلاح الدين ولا نور الدين قبله، من العلماء القادرين على الاجتهاد والاستنباط، رغم أنهم كانوا يحبون العلم ويقربون أهله، ولكن انشغالهم بالجهاد لم يترك لهم إلا أن يكونا في العلم مقلدين لغيرهم، معتمدين على فتاواهم.
إن الناظر إلى سيرة صلاح الدين، ونور الدين قبله، يجد منهما زهدًا منقطع النظير، وعزوفًا عن الدنيا وبهارجها، ورغبة في الآخرة وعاقبتها، رغم ما كانا عليه من الملك، ثم يُصدم بأنهما – وهما في آخر مراحل الدنيا وأول مراحل الآخرة – قد عهدا بالملك لأبنائهما، فيظن أن ذلك كان حرصًا منهما على الملك، والذي أراه أن الورع الذي كان عندهما كان أعظم من أن يجعلهما يستسلمان لمثل هذا الحرص لو وجدا من العلماء من يخبرهما أن اجتهاد السابقين بقبول التوريث كوسيلة لانتقال الحكم كان مبنيًّا على تقديرهم تحقق مصلحة الاستقرار فيه، وأن وقائع التاريخ أثبتت أن التوريث في الحكم كان من أهم أسباب الصراعات التي أنهكت الأمة الإسلامية عبر التاريخ، وأن المَلِكَ الذي يوصي بالحكم لولي عهده سيتحمل أمام الله تعالى نتائج ما يفعله ولي العهد هذا، ولو وجدا مثل هذا العالم الذي يرشدهما لهذا، فلربما أوصى كل واحد منهما بالملك بعده لمن هو قادر من أمراء مملكته على تولي الحكم بعده، ولربما أسسا بذلك لمنعطف تاريخي كان ولا زال ضروريًا لهذه الأمة.
لقد كان نور الدين وصلاح الدين حاكمين صالحين، ولكن النظام في عهدهما بقي كما كان قبلهما، لم تصل إليه يد الإصلاح، ولذلك عندما يكون لدينا حاكم صالح، ويكون النظام مبنيًّا على أسس فاسدة فلن يستمر الصلاح إلا بوجود هذا الحاكم بنفسه، بينما عندما يكون النظام صالحًا، فحتى لو وصل حاكم طالح للحكم فإن إمكانية الإصلاح تبقى ممكنة عبر آليات المحاسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الدرس الأساس الذي يجب أن نعيه من سيرة الملكين الصالحين: نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، ومن ارتكاس الدولة بعد وفاتهما هو أن إصلاح النظام أهمُّ بمراحل من صلاح الحاكم الفرد، وهذا يحتاج إعادة النظر في كثير من مفاهيم الفقه السياسي التي ظنها البعض من أساسيات الدين لكثرة تردادها في كتب الفقه السياسي القديمة، وهي مهمة أهل العلم والفكر، التي يجب أن يجنّدوا أنفسهم لها.
رحم الله صلاح الدين الأيوبي، وجزاه عن أمته خير الجزاء، فكما أسلفت ليس هو من يتحمل مسؤولية ذلك الارتكاس في نظري، وإنما جمود العلماء على تقليد أقوال السابقين دون إدراك مراميها وأن الاجتهاد المبني على النظر في المصالح ينبغي مراجعته للتأكد من تحقيقه لها.
لسنا بحاجة إلى تكرار نموذج صلاح الدين – كشخص – رغم أنه نموذج راقٍّ، ولكننا بحاجة إلى إنتاج نظام سياسي يضمن لنا استمرار العدل والصلاح في من يرأسونه، وعندها سيكون لدينا من يسيرون على نهج صلاح الدين رحمه الله.

2011/03/18

زيارة عباس لغزة ... وما وراءها ... رأي شخصي

أود في البداية أن أؤكد على أن ما أكتبه هنا هو تعبير عن رأيي الشخصي لوحدي، وهذا الرأي لا يمثل أي جهة من الجهات.

الرئيس الفلسطيني (محمود عباس) أعلن قبل أيام عن استعداده لزيارة قطاع غزة خلال الأيام القليلة القادمة لإنهاء الانقسام، داعيًا رئيس الوزراء الأخ (إسماعيل هنية) لإجراء ترتيبات زيارته، واستقباله في معبر بيت حانون بالتنسيق مع فصائل العمل الوطني والفعاليات الشعبية.

فهم البعض أن هذا الإعلان جاء استجابة لدعوة الأخ (هنية) للبدء في حوار فوري وجادّ لإنهاء الانقسام، ولكن هل هذا هو الواقع؟؟

في البداية يجب أن نقرأ بدقة ما قاله (عباس)، فهو قد أعلن استعداده للذهاب إلى غزة من أجل:

1. تشكيل حكومة من شخصيات وطنية مستقلة

2. التحضير فورا لانتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني خلال ستة أشهر تحت رعاية الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

كما أن عباس شدد في كلمته على انه لن يذهب لغزة للحوار مع حماس؟!!

إذًا فـ (عباس) لا يريد الحوار، وإنما يسعى لتحقيق ما يسميه زورًا وبهتانًا انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف دولي.

وهذا هو ما أكده الناطقون باسمه، الذين تقوم وظيفتهم على تفسير تصريحاته، فأمين سر المنظمة (ياسر عبد ربه) قال في تصريحات لتلفزيون فلسطين الرسمي:"الرئيس أكد أنه ذاهب إلى قطاع غزة ليس من أجل الحوار، وإنما من أجل إنهاء الانقسام والمباشرة بخطوات عملية، بتشكيل حكومة وفاق وطني من شخصيات وطنية ومستقلين، تحظى برضى الجميع، وبعيده عن الفصائلية".

أما رئيس كتلة فتح البرلمانية (عزام الأحمد) فقد صرح لـ (القدس العربي) بأنه "لا علاقة لمبادرة أبو مازن بدعوة هنية إطلاقا، وتختلف جذريا عما تقوله حماس بأن توجه أبو مازن لغزة جاء استجابة لدعوة إسماعيل هنية، أبو مازن قال بشكل واضح: أنا ذاهب لتشكيل حكومة وليس للحوار".

ما المغزى من كل ذلك:

يجب أن نعلم – بدايةً – أنه لا يمكن معالجة أعراض أي مرض دون معرفة أسبابه ومعالجتها، فالانقسام مجرد عَرَضٍ لمرض نخر في جسد الشعب الفلسطيني، فهو كالصداع الذي يرافق مرض ارتفاع ضغط الدم، لو أخذت له كل المسكنات فلن تفلح ما لم تعالج المرض الأصلي وهو ارتفاع ضغط الدم، فهل مشكلة الانقسام متعلقة بـ (تشكيل الحكومة) و (إجراء الانتخابات) كما يزعم عباس وفتح؟؟ أم أن سبب الانقسام شيء آخر؟؟

الكل يعلم بأن مشكلتنا ليست في ذلك، بل مشكلتنا في عدم إيمان فتح وعباس بـ (الرأي الآخر ومبدأ تداول السلطة)، وهذا هو الذي سبب انقلابهم على الشرعية التي نالتها حماس في انتخابات سنة 2006م، والتي كانت حرة ونزيهة بشهادة الجميع، وهنا يجب أن نلاحظ أن عباس توجه بدعوة (هنية) لاستقباله خلال ممارسته مهامه كرئيس فلسطيني باعتبار (هنية) قياديا في حماس، وليس رئيس وزراء الحكومة التي نالت ثقة المجلس التشريعي.

كما أن من مشاكلنا المستعصية استلقاء فريق أوسلو في أحضان الصهاينة والأمريكان، ولو أدى ذلك إلى إراقة دماء أبناء شعبهم وإلى محاربة الشرفاء والمجاهدين.

ومن مشاكلنا ذلك الفساد المستشري في أجهزة السلطة، والذي يجعل أصحابه خائفين من كل ما من شأنه فتح الطريق لمحاسبتهم على جرائمهم ضد الشعب.

وهناك الكثير من المشاكل المنبثقة عما سبق لن أستطرد في استقصائها، ولكني أجزم أن مشكلتنا لن يتم حلها بإجراء الانتخابات وتشكيل حكومة مستقلين.

وهناك سؤال يطرح نفسه: لماذا هذا الإصرار الغريب من عباس وفتح على موضوع الانتخابات في هذه المرحلة؟؟؟ هل أصابتهم نوبة من (الديمقراطية)؟؟؟ أم أنهم ينوون – كما يظن البعض – تزوير الانتخابات، وهم متأكدون أن العالم سيسكت عن تزويرهم ليعطيهم الشرعية التي يفتقدونها.

أنا شخصيًا أظن أن الانتخابات لو حصلت فلن تزور بالطرق التقليدية للتزوير، تلك الطرق التي كان يستخدمها حكام العرب المدحورين، ولكن التزوير سيحدث بطريقة أخرى،،،

التزوير التقليدي يقوم أساسًا على تغيير صناديق الاقتراع، وإدلاء الموتى بأصواتهم، ... الخ.

لكن هناك نوعًا آخر من التزوير يقوم على أساس

· فرض الرعب في المجتمع من التصويت لجهة معينة تحت طائلة الملاحقات الأمنية، وهذا ما يحصل عندنا في ضفة الأحرار المقهورين.

· ومن عناصره تغييب المؤهلين للترشح من غير المرغوبين في غياهب السجون، وقد ابتلينا فوق سجون الاحتلال بسجون ذوي القربى.

· وكذلك تغييب العناصر والكوادر - من أبناء التنظيم والمناصرين- الضرورية لإدارة أي عملية انتخابية، وهؤلاء عندنا إما معتقلون أو ملاحقون.

إن أي عملية انتخابات حرة ونزيهة لا يكفي لها أن لا يتم تغيير صناديق الاقتراع، بل لا بد لها من أرضية مهيئة من أجواء الحرية التي تسمح للراغبين بالتعبير عن آرائهم ومواقفهم دون خوفهم من الملاحقات الأمنية.

بالملخص أقول (وهو رأيي الشخصي كما سبق وأكدت) إن استعداد عباس لزيارة غزة بشروطه إنما هو فخ يريد منه الوصول إلى نقطة يستطيع معها إجراء انتخابات لم تتهيأ لها الظروف، تحت سياط الأجهزة الأمنية المنسقة مع الصهاينة، والوالغة في دماء أبناء الشعب، إن إنهاء الانقسام يتطلب إنهاء مسبباته من عدم القبول بنتائج انتخابات 2006، والتنسيق الأمني، والانبطاح في أحضان أعداء الأمة والشعب،.... الخ.

2011/02/05

أيها الباكي الشجاع ... صبرًا ... فالنصر قريب

أيها الباكي الشجاع ... صبرًا ... فالنصر قريب

رغم أن الرغبة راودتني عدة مرات خلال الأيام الماضية للتعليق على ما يجري في مصر الإسلام والعروبة إلا أنني رجحت - لعدة أسباب - الاكتفاء بالمتابعة المستمرة لما يجري، مع الدعاء الدائم لأن يحفظ الله شباب مصر وشعب مصر ويديل الظالمين ومن معهم، غير أني قررت أن أكتب هذه الكلمات للتعبير عن الشعور الذي انتابني هذا الصباح وأنا أستمع إلى الدكتور الطبيب خالد حنفي، وهو مدير لمستشفى ميداني بميدان التحرير، ميدان تحرير الأمة من عقدة الخوف والاضطهاد.

كان د. خالد يروي للجزيرة مشاهداته، والعبرات تخنقه، ثم يتماسك، وبعدها يغيب كلامه وراء صوت بكائه.

سمعته يروي: أن عددًا من المصابين من أشبال مصر الكنانة الجرحى على يد بلطجية النظام كانوا يرفضون نقلهم للعلاج بسيارات الإسعاف لئلا يغادروا ميدان العزة والصمود.

وسمعته يقول: أنهم في المستشفى الميداني عالجوا أحد أبطال مصر أربع مرات، وكلما كان يعالج كان يعود لمنقطة المواجهات ليدافع عن عزة الأمة كلها – وليس مصر وحدها - وكرامتها وحريتها، فيصاب ثم يعود فيعالج، ويعود لميدان الدفاع عن الأمة.

وسمعته يعلن أنه ومعه 35 طبيبًا و60 مسعفًا و100 مساعد طبي لن يتركوا هؤلاء الشباب الذين رفعوا رأس مصر.

أخي د. خالد:

رغم أنني لا أعرفك، ولم أسمع بك قبل هذا الصباح إلا أنني أقولها لك باسمي واسم الكثيرين من شعب فلسطين ومن أمة الإسلام: إنا نحبك في الله، بل ونحب كل هؤلاء الأبطال الذين رفعوا رأس الأمة كلها إلى عنان السماء.

أخي الحبيب، حفظك الله أنت ومن حولك:

أتدري ما قراءتي لدموعك التي هزت مشاعرنا، ولصوت بكائك الذي استدعى دموعنا؟؟

أنا أعلم أن البعض قد يظن هذا البكاء ضعفًا، ويخجل منه، فقد تربى الكثيرون منا على فكرة أن البكاء للنساء، لأنهن ضعيفات، وأن الرجال لا يبكون، ولكن هؤلاء قوم ما عرفوا ولا ذاقوا، ولو عرفوا وذاقوا لعلموا أنه لا يبكي إلا من كان رقيق النفس، حيَّ الشعور، رحيم القلب، ومن كان كذلك فهو الذي يملك مؤهلات الحب، والمحب هو أكثر من يستطيع أن يضحي لأجل من يحب، ولا يقدر على التضحية إلا الشجعان.

البكاء ضعفٌ من ناحية، ورقَّةٌ من ناحية، ولكنه قوةٌ من ناحية أخرى، انظر إلى المرأة التي يستخدمونها رمزًا للضعف والرقة، تبكي لأقل ألمٍ يصيب طفلها، ولكنه إذا تعرض للخطر انقلبت إلى لبؤة ضارية تدافع عنه ولو بروحها.

استشهد حمزة بن عبد المطلب، فبكى سيدي وحبيب قلبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وانسكبت دموعه الغالية، ومات إبراهيم ابن سيدنا رسول الله صلوات ربي عليه، فبكى – بأبي هو وأمي - ، وزار عليه صلوات الله وسلامه قبر أمه، فجلس على شفير قبرها وبكى، وبكى معه المسلمون فما رئي بكاء أكثر من يومئذ، ولم يكن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ضعيفًا، بل كان سيد الشجعان.

الشجاع الرحيم – مثلك أخي د. خالد حنفي – يرى مصائب الأمة، يرى جراحاتها النازفة، فيرتجف قلبه، وتدمع عينه، بل قد ينشج نشيج الثكلى، ويعلو صوته بالبكاء – كما فعلتَ أنت -، وبعد ذلك ينقلب هذا البكاء غضبًا على الأعداء والطغاة، ونارًا تحرقهم.

وعن نفسي أحدثك: لقد بكيتُ في حياتي مراتٍ لا يمكن إحصاؤها، ومع ذلك كنت أجد نفسي بعد أن أبكي: أقوى، وأشدَّ عزيمة، وأقوى شكيمة، وأكثر إصرارًا على السير في طريق المصاعب الشاق.

نعم، إنها الحقيقة، لا يبكي بكاء الرجال إلا الرجال الشجعان، مثلك أخي د. خالد حنفي، وليس أي رجال.

فتحياتي لك أيها الباكي الشجاع.

2011/01/08

جنازة القواسمي والتغطية المنحازة لقناة الجزيرة

عدت على المنزل أمس عند صلاة العشاء بعد يوم حافل، شاركت فيه أنا والإخوة النواب الإسلاميون في محافظة الخليل يرأسنا د. عزيز الدويك في جنازة الشهيد عمر سليم القواسمي الذي سقط على يد الغدر والخيانة خلال اعتقال المجاهد وائل البيطار، وكان واضحًا من مجريات الأحداث أن المقصود كان اغتيال البيطار، ولكن إرادة الله شاءت أن يكتب الشهادة للحاج عمر، ابن الـ 66 عامًا، وقمنا بعدها بزيارة تضامنية لبيوت الإخوة المجاهدين الذين أفرجت عنهم الأجهزة الأمنية واعتقلتهم بعدها بأقل من 12 ساعة سلطات الاحتلال، وقد حصلنا خلال هذه الزيارة على جرعة عالية من المعنويات، من آباء وأمهات هؤلاء المجاهدين الأبطال.

المهم، جلست لاستماع نشرة الأخبار، وكالعادة فمصدرنا الأول الذي نثق عادة بأخباره وحياديتها هو قناة الجزيرة، ولكنني – وللأسف – أصبت بحالة من الإحباط وارتفاع الضغط بسبب المستوى الذي وصل إليه انحياز مراسلي هذه القناة وانعدام حياديتهم، وهم يعملون في قناة شعارها (الرأي والرأي الآخر).

التقرير الذي أعدته شيرين أبو عاقلة حول جنازة الشهيد كان مضللاً بشكل كبير، وكان يحمل إيحاءات مقصودة، أظهرت الجنازة وكأن المشاركين فيها هم عناصر فتح، وكأن الشهيد محسوب على فتح.

لا أقول إن عناصر فتح لم يكونوا موجودين، فالنسيج الاجتماعي عندنا متشابك، والفتحاوي والحمساوي يعيشان في بيت واحد في كثير من الحالات، ولكن انظروا ما الذي حضر في التقرير المذكور وما الذي غاب:

ظهر في التقرير بعض الأشبال يحملون رايات فتح الصفراء، لعل عددهم كان لا يتجاوز العشرين من بين عدة آلاف من المشاركين، ثم ركز التقرير على (بوستر) للشهيد تنعاه فيه حركة فتح، وبالطبع فراياتنا الخضراء، رايات التوحيد كانت غائبة بالإكراه، كما يعرف الجميع بسبب ما نعانيه في الضفة، أما إمكانية أن يكون هناك (بوستر) للشهيد تنعاه فيه حركة حماس فهو أمر يعدّ قريبًا من المستحيل في وقت تشدد فيه الرقابة على كل المطابع لئلا تقع في هذه الجريمة النكراء، جريمة طباعة شيء لحماس.

ليس المنتقد إظهار صورة الرايات الصفراء والتركيز عليها، ولا إبراز البوستر الفتحاوي، فهي أشياء كانت حاضرة في الجنازة، ولكن الغريب من مراسلي قناة مستقلة غير محسوبة على فريق دون فريق أن لا يظهروا إلا جانبًا واحدًا مما كان في الجنازة في تقريرهم الإخباري.

منذ أن خرجت الجنازة من باب المسجد، كانت هتافات آلاف الشباب وهم يعلون أصواتهم ( الله غايتنا، والرسول قدوتنا ....)، وهم يهتفون لكتائب القسام ولحماس، تملأ الآفاق، وكان مراسلو وكالات الأنباء متواجدين وسامعين، وبالمناسبة فلم أسمع خلال الجنازة كلها هتافًا لغير حماس سوى مرة واحدة، هتف فيها بعضهم قائلاً (الله أكبر عاصفة)، والذين رددوا وراءه هم شباب حماس.

ثم مع أن التقرير احتوى مقابلة – مختصرة جدًّا مع د. عزيز الدويك، مع أن أبا هشام - حفظه الله – كان حريصًا على أن يكون كلامه وحدويًا، ليفوت الفرصة على الاحتلال الذي أراد باعتقال الشباب – أسأل الله لهم ولجميع الأحباب الفرج – أن يكون شرخًا آخر في النسيج الوطني الفلسطيني، فلم يهاجم في كلمته السلطة، وإنما حمّل كل المسؤولية للاحتلال.
وكذلك فلم يظهر في الصور التي حواها التقرير عن الجنازة أي حضور للنواب الإسلاميين، وقيادات الحركة الإسلامية، مع أن حضورهم كان واضحًا لكل من تواجد في التشييع، لتبدو الصورة وكأنهم غائبون عن المشاركة.

نحن لا نطالب مراسلي الجزيرة بإبراز السلبيات، كقيام عناصر الأمن (الفلسطيني ؟؟!!) باعتقال اثنين من الشباب لأن أحدهم هتف قائلاً (من الخليل تحية لإسماعيل هنية)، ولا تواجد عناصر الأمن المدججين بأسلحتهم وخوذاتهم داخل مسجد الشيخ علي البكّاء، وكأنهم في ساحة حرب، ولكننا نطالبهم عندما ينقلون صورة حدث أن يكونوا حياديين، فينقلوا الصورة من جميع زواياها.

إن هذه الممارسات المنحازة إعلاميًا قد تنطلي على البعيدين عن المشهد الفلسطيني، ولكن ثقي يا قناة الجزيرة أن آلاف الناس الذين شاركوا في الجنازة، سيقومون بإيضاح الصورة لعشرات الآلاف الآخرين من الذين لم يشاركوا، وسيكون المتضرر في الشارع الفلسطيني هو مصداقيتكم أنتم.

اللهم قد قلَّ الناصر، وعزَّ الظالم، وتكالبت علينا الأمم، ولا ملجأ لنا إلا إليك، ومن كنت معه يا مولانا فلا يضيره أن لا يكون معه سواك، فلا تكِلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك، أنت حسبنا، ولا حول ولا قوة إلا بك.

2010/11/13

وطنوا أنفسكم ..... المصالحة بعيدة

وطنوا أنفسكم ..... المصالحة بعيدة
كنت مترددًا قبل أن أنشر هذا المقال، لأن حديثي عن توقعاتي للمصالحة قد يفهمه البعض على أننا لا نريدها، بينما الحقيقة التي لا شك فيها أن كل أبناء الحركة الإسلامية يرغبون في تحقيق المصالحة، ويريدون ذلك بشدة، لأنهم يدركون أن الوحدة من عوامل القوة اللازمة لتحقيق أهدافنا ورؤانا، ولكننا نريدها مصالحة مبنية على أسس سليمة كي لا ندخل في دوامات الماضي، ونعود مرة أخرى من نقطة الصفر.

إن رؤيتنا للمصالحة وأهميتها تنطلق من مبدأ وعقيدة، وليست تكتيكاً مرحليًّا كما يتوهم البعض، فنحن نؤمن أن أجواء الحرية والانفتاح هي التي تحقق مصالح الشعب الفلسطيني وقضيته، وأن المستفيد الأول من الانقسام الحاصل هو الاحتلال وأذنابه، ورؤيتنا للمصالحة تأتي في سياق رؤيتنا لضرورة أن تتوحد كل جهود أبناء هذا الشعب ومن ورائهم جهود أمتهم الإسلامية لتحرير فلسطين كل فلسطين.

أقول هذا قبل البدء في الموضوع لئلا يتقوَّل البعض علينا ويتهمنا بأننا لا نريد المصالحة، بناء على إساءة فهم لما سيأتي من كلام.

والموضوع الذي سأتحدث فيه ليس جديدًا، فالحديث عن المصالحة يظهر ويخبو كل فترة منذ أن حدث ذلك الانقسام المشؤوم الذي فرض علينا فرضًا، وفي مرات عديدة عندما كان يطرح ملف المصالحة كنت وعددًا من إخواني خلف القضبان في سجون الاحتلال، وكان لدينا رأيان في التعاطي مع هذا الحدث:
أحدهما كان يرى أننا يجب أن ننشر الأمل في نفوس قواعدنا، وذلك حتى لا يصابوا بالإحباط.
والآخر كان أننا يجب أن نكون واضحين وموضوعيين في تحليلنا، حتى لو أدى ذلك إلى صدمة بين أوساط الشباب.

وقد كنت من أنصار الرأي الثاني، ولا أذيع سرًّا إن قلت أننا كنا الأقلية.

نعود للموضوع، منذ سنوات كلما كان يطرح موضوع المصالحة، ويتم تناقل الأخبار، كان يسود جوٌّ من التفاؤل بين أبناء شعبنا عمومًا، وبين أبناء الحركة الإسلامية على وجه الخصوص، ولكن هل هذا التفاؤل مبني على أساس سليم، أم أنه يتم استنادًا إلى الموروث الشعبي "تفاءلوا بالخير تجدوه".

بالنسبة لي شخصيًّا أعتبر نفسي إنسانًا متفائلاً، وذلك نابع من إيماني بأن الله سيحقق لنا وعده، ومن فهمي لطبيعة الصراع بين الحق والباطل، وأنه يمر بفترات التمحيص والشدة، ثم لا بد أن تكون النهاية مشرقة، ولكني لم أكن متفائلاً بقرب تحقيق المصالحة عندما كان يطرح موضوعها في الفترات السابقة، وذلك بناءً على معطيات موضوعية كنت أراها، وللأسف فإنني لا أزال أراها هذه الأيام، والتصريحات التي تصدر عن عباس والناطقين باسم السلطة وفتح هذه الأيام تؤكد للأسف ترجيح عدم التفاؤل.

وبدون الخوض الكثير في التفاصيل، لأن الكلام فيها يطول، فأنا أرى أن القوى المتنفذة في فتح وفي سلطة رام الله لا تريد المصالحة، وذلك لعدة أسباب منها:
1. أن المصالحة تتعارض مع مصالح هذه القوى، فالمصالحة تتطلب أن تكون هناك شراكة في العمل السياسي، وهم لا يريدون الشراكة لأنهم يعتبرون السلطة مغنمًا يخافون أن يقاسمهم الآخرون فيه، فنظرتهم للسلطة أنها مكان للكسب على شتى المستويات وليست موقعًا للجهاد والنضال لتحصيل الحقوق قد يتطلب من الموجود فيه دفع ثمن مواقفه، وهم تعودوا على القبض لا على الدفع.
2. المصالحة تستوجب إعادة بناء الأجهزة الأمنية على عقيدة غير عقيدة التنسيق مع العدو، وتنفيذ أوامره، وهؤلاء بلغ من انحدارهم أنهم أصبحوا مؤمنين بتعاونهم مع العدو، ويفتخرون بذلك.
3. المصالحة ستؤدي ولا بدّ لفقدان عدد من المتنفذين مواقعهم إما لفسادهم أو خيانتهم أو جرائمهم بحق أبناء شعبهم، وهؤلاء هم الذين يحكمون ويرسمون هذه الأيام، وهم الذين بأيديهم الحل والربط.
4. المصالحة تحتاج أحد أمرين: رجالاً يتمتعون بالجرأة لقول "لا" لأمريكا وإسرائيل، وهؤلاء لم يبق منهم في الصف المقابل أحد، فالباقون إما جبناء أو مستفيدون من هذا الموقف الانبطاحي، أو أن تتهيأ لها أجواء دولية، تجعل القوى المتنفذة والمتحكمة في قرار السلطة وفتح تسمح لها بالمضي في طريق المصالحة.

لا أريد أن أخوض أكثر في الأسباب، ولكنني مع ذلك مؤمن أن كل هذه العوامل قابلة للتغيير، وذلك لأنه لا يزال يوجد في أبناء فتح – هكذا أظن – قلة ليست راضية عما يحصل، وهذه القلة ليس بيدها الأمر والنهي هذه الأيام، ولا بد أن يتحركوا ليستعيدوا ما سُرق منهم من تاريخ حركتهم، وعندما يحصل ذلك، وينضج هؤلاء، ويصبحون مستعدين لتولي زمام الأمور، يمكن أن نصل وإياهم إلى مصالحة مستندة إلى الحفاظ على الثوابت وعدم التفريط فيها، وحتى يحدث ذلك فلا أرى أنه يمكن أن تتحقق المصالحة التي نريد.

لماذا أقول ذلك مع علمي أن البعض سيتهمني بأنني أنشر التشاؤم بين أوساط شبابنا وقواعدنا؟؟

أقول ذلك لإيماني أن شبابنا واعون، وأن من حقهم علينا أن نصارحهم، ولأن تعاملنا مع الواقع الذي نعيش ناتج عن فهمنا له وتصورنا لحقيقته، فإذا كنا نتوقع المصالحة بين حين وآخر، سنبقى نحلم بها ونبقى قاعدين في بيوتنا انتظارًا لهذا القادم الذي لن يجيء قريبًا.

أما إذا أدركنا أن الواقع الذي نعيشه هو ما هو عليه، وأنه لا يظهر في الأفق القريب، ولاحظوا أنني أتحدث عن الفترة القريبة ولا أدعوا للتشاؤم الكلي، أقول لا يظهر أمل واضح في تغير هذا الواقع الذي نحياه في الضفة، فعلينا أن نوطن أنفسنا على التعامل مع هذا الواقع كما هو، وأن لا نستسلم له، بل علينا أن نبدع كما سبق وأبدعنا في مراحل سابقة حتى نحافظ على وجودنا، وعلى تواصلنا مع بعضنا، وعلى تمسكنا بدعوتنا.

قد يسأل البعض وما الذي ينبغي علينا فعله؟؟

قد لا أملك الجواب، وقد لا يملكه غيري، ولكني أدرك أن بعض المراحل تحتاج إلى الصبر وإلى مزيد من الصبر، حتى تتغير الظروف، ولنستحضر كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر وهم يُعَذَّبون فيقول لهم: صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة، ولم يكن يملك - بأبي هو وأمي - أن ينجدهم بشيء إلا بهذه الكلمات.

فيا أحبابنا ويا إخواننا...
هذا هو الواقع، فلنفهمه ولنتعامل معه كما هو، ولا نجلس في بيوتنا ننتظر الحلول من وراء الغيب، فإن الله سبحانه قد كلفنا أن نسير في هذه الدنيا وفق قانون الأسباب، ونعتمد على رب الأسباب، ولندرك أن مشوارنا طويل، ولكن الذين يصبرون إلى آخر الطريق هم الذين سيفوزون بالدرجات العلى.
أسال الله أن يرزقني وإياكم الثبات، وأن يبدل هذا الحال الذي نحن فيه.

بعد انحسار العاصفة

الآن وقد هدأت عاصفة الجدل حول الماراثون (المختلط) الذي نظمته جمعية تنظيم وحماية الأسرة في الخليل، ذلك الماراثون الذي استفز أهل هذه المدين...