2018/03/02

(محمد الرمحي) في عامه الثلاثين


كنت قد انتقلت إلى قسم (9) في سجن (نيتسان) في الرملة في نهايات سنة 2006، وبعدها بأسابيع قلائل – بتاريخ 22/12/2006 – وقف يخطب الجمعة فينا شاب ضئيل الجسم، صغير السن، ولكنه كان لافتًا للنظر، وقد كتبت في مذكراتي يومها:

"خطب الجمعة شاب صغير لمَّا يبلغ العشرين من عمره، اسمه (محمد الرمحي)، وكان موضوع خطبته عن الوحدة، الشابُّ خامة جيدة، فرغم صغر سنِّهِ وضآلة جسمه إلا أنَّ له صوت خطيب، ولغتُه العربية جيدة، وألفاظه جزلة، ويتكلم بانسيابٍ بلا تلعثم، ويبدو أنه يحفظ خطبته حفظًا، فرغم أنها مكتوبة، إلا أنه كان يختلس النظر إلى الورق اختلاسًا، ولا يقرأ منه قراءة، وعلى الإجمال فهو مشروع خطيب متحدث مفوّه، أسأل الله أن يهديه ويثبّته ويفرج عنه ويعينه على الارتقاء بنفسه، فمن القصور عليه وعلى من حوله أن لا يكون هناك برنامج للارتقاء بمثل هذه النوعيات بحيث يتزودون بمادة علمية وفكرية، فتكون معهم الأداة التي وهبهم الله، والمادة التي تعمل بها تلك الأداة, اللهم احفظه لأهله وإخوانه وانفعه وانفع به، آمين".
كانت هذه هي نقطة البداية في تعرفي عليه.
وكان من قناعاتي التي كنت ولا زلت أؤمن بها أننا يجب أن نعتني بأمثال هذا الشبل ممن لديهم إمكانات مميزة، فهم جيل المستقبل الذي سيحمل الراية يومًا ما، ومن العناية بهم أن يتم تشجيعهم وتوجيههم، فبالتشجيع يستمرون في العطاء، وبالتوجيه يحافظون على الارتقاء.
بعد خطبة الجمعة ذهبت إليه وتعرفت عليه، وأثنيت على خطبته، واستأذنته أن يسمح لي بأن أنبّهه إلى ما يساعده على الارتقاء بنفسه في الخطابة وتجاوز ما قد يتعثر فيه، فوجدت لديه سرورًا بذلك وترحيبًا، وللأسف فإن بعض مشايخنا الأفاضل – غفر الله لنا ولهم – عندما يجدون شابًّا كهذا ولا بدَّ له في بداياته من أن تكون له أخطاء فإنهم بدلًا من تشجيعه وتوجيهه، يقومون بتقريعه والتقليل من شأنه، كأنهم يخشون أن ينافسهم في ما يقومون به.
بعدها كنت أجلس معه بعد كل خطبة جمعة كان يلقيها، فأنبهه إلى الإيجابيات فيها ليقوم بتعزيزها، وإلى السلبيات ليقوم بتداركها، وقد كان فتىً نبيهًا، كنت كل يوم أكتشف مقدار التميّز الذي يتمتع به، وكان فتًى أديبًا تَشِفُّ سلوكياته عن تربية طيبة تلقاها في بيته من والدين كريمين فاضلين.
انضمّ بعدها لحلقة تعليمٍ للقرآن الكريم كنت أدرّسها، وكان فيها معه أربعة آخرون، منهم حفظة للقرآن، كبار في السن، وحاصلون على شهادات عليا في علوم الشريعة، وكان هو – وهو أصغرهم سنًّا – الأميز من بينهم، والأكثر نباهةً في التلقي.
كانت النيابة تطالب بأن يتم الحكم على (محمد) بالسجن المؤبد، ولاحقًا صدر الحكم عليه بالسجن (23) عامًا، بينما حكم بقية أعضاء مجموعته بالسجن المؤبد، وكان من المفارقات التي قدرها الله تعالى أن الذين تم (تأبيدهم) أفرج عنهم في صفقة وفاء الأحرار، بينما بقي محمد في السجن.
وعندما انتقل من سجن الرملة بعد صدور الحكم عليه كتبت في مذكراتي حينها أصفه بأنه "من خواصِّ تلاميذي النجباء الذين أتوسم فيهم أن يكون لهم شأن"، وكنت قد وصفته مرة أخرى في مذكراتي بأنه "من أفضل تلاميذي الذين علّمتهم في السجون، ذكاءً وتوقدَ ذهن ورغبةً في التعلم مع سرعة استيعاب مميزة".
الفراق في السجن صعب، فأنت تفارق أحبابك ولا تدري أيكتب لك أن تراهم في هذه الدنيا أم لا! ويبقى الشوق والأمل في القلب.
بعدها بعدّة أشهر، وكنت خارجًا في بوسطة إلى المحكمة من سجن الرملة إلى محكمة عوفر، وبعد أن صعدنا في باص البوسطة فإذا بالحبيب (محمد) يُطلُّ داخلًا إلى الباص، فشعرت بسرور عظيم لرؤيته، واعتنقته مقبّلًا ودموعي تفيض من عينيّ، فقد كنت أظنّ أن لن أراه في هذا الحياة الدنيا، وقد مضى ذلك اليوم برفقته قصيرًا سهلًا ممتعًا، وقد استمعت منه لأخباره وأخبار الأحباب في سجن (رامون)، وكان مما حدثني به يومها أنه قال لي: كنت أعتبر الحكم بالمؤبد والحكم بـ (23) سنة سيان، غير أني التقيت بأحد الإخوة من طولكرم غيّر نظرتي للموضوع، فقد كان محكومًا بالسجن (25) عامًا، وأخبرنا أنه كان مثلنا يعتبر ذلك كالمؤبد، وقال لنا: لكن اليوم قد أمضيت (23) عامًا من سجنتي، وبقي لي عامان منها، فهناك تاريخ إفراج أنتظره، وكلما مرَّ يوم اقترب ذلك التاريخ، بينما إخواني المحكومون بالمؤبد لا تاريخ معلومًا للإفراج عنهم، فأدركت الآن أن الأمران ليسا سيّان.
في سجنتي التاسعة (سنة 2016)، وكنت في سجن عوفر طلبت الانتقال إلى سجن النقب، وكان من أسباب ذلك رغبتي في رؤية الأحباب الذين هناك، من إخواني الذين لم أرهم منذ فترة طويلة، وكان منهم (محمد) الذي كان قد أرسل لي في سجنتي السابقة يطلب مني أن أنتقل إلى النقب عندهم، ولم تكن الظروف مناسبة أيامها لذلك.
ولكني عندما وصلت سجن النقب وسألت عنه، فوجئت بأنه انتقل إلى سجن هداريم، وهكذا هي حال السجون، لا يستقر فيها قرار أحد، ثم عاد من هداريم أثناء وجودي في النقب، وطلبت من التنظيم أن يحضروه عندنا فقالوا أنهم يحتاجونه ليكون (دوبير) قسم الكرافانات، أي (المتحدث باسمهم لدى الإدارة)، ووعدوني أن يرتبوا لي رؤيته، وقد كان هذا فالتقيته في زيارة كنت أنا وهو فيها إلى قسم (4) في النقب، وقد سررت بلقياه والحديث معه، واستمعت لأخباره، ولاحظت كم كَبُر هذا الفتى الذي التقيته سنة 2007، وعمره (18) عامًا، وها أنا أعود للقائه بعد أن قضى – حينها – أكثر من (10) سنوات في السجن من حكمه البالغ (23) عامًا.
وكان قد وصلني عن طريق بعض الإخوة الذين التقيتهم في البوسطات في سجنات سابقة أنه مرت عليه فترات كان فيها محبطًا، وكانت نفسيته سيئة؛ لأنه صُدم من تصرفات سلبية لبعض المشايخ الكبار، الذين كانوا يتعاملون مع فئة الشباب بنوع من عدم الثقة، بل والاستخفاف، فلا يسمحون لهم بالتعبير عن آرائهم، ولا حتى بإبراز مواهبهم، وفي لقائي به الذي لم يستمر إلا لساعات قليلات فضفض لي بأشياء مما في صدره، واشتكى من تصرفات بعض إخوانه، فحاولت رفع معنوياته، وشدَّ أزره، وشرحت له أن ما لقيه أمر طبيعي، وأن الذين يظنون أنهم هم وحدهم من يمتلكون القدرة على القيادة والعمل موجودون لدينا، والمهم أن لا نستسلم لهم، وأن لا تنتقل إلينا عدواهم، ووجدته قد نضج، وصار متفهمًا أن مجتمع الحركة الإسلامية فيه – كغيره من المجتمعات – إيجابيات وسلبيات، وإن كانت سلبياته أقل من غيره، وأنه لا ينبغي له أن يُصدم عندما يواجه السلبيات في هذا المجتمع، بل يجب أن لا يستسلم له، وأن يعمل على معالجتها.
(محمد عمر الرمحي) أنهى اليوم العام الثلاثين من عمره، وهو لا زال في سجنه، وقد مضى من حكمه نحو (13) عامًا، وبقي له منه (10) أعوام، إلا أن يقيننا أن الله تعالى سيمن بالفرج قبل ذلك، وعسى أن يكون هذا الفرج قريبًا، وأن تقرَّ عيون والديه به، ويفرحا به وبذريته، وأسأل الله تعالى أن يتقبل منه، ويبارك فيه، ويعجل بفرجه، ويجعل قابل أيامه حرية وسعادة وهناءً.

2017/11/30

حول انتساب الزوجة إلى عائلة زوجها

نشرت بعض المواقع ما تزعم أنه تنبيه لحكم شرعي متعلق بإلحاق اسم عائلة الزوج في نهاية اسم زوجته، فقد نشرت صورة فيها عنوان (انتساب الزوجة إلى عائلة زوجها) ونقلت تحته حديثًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيه قوله: (مَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ ...، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)
والذي يفهم بداهة من هذا المنشور أن ذكر اسم عائلة الزوج في نهاية اسم الزوجة يدخل تحت مفهوم هذا الحديث.
ولأن هذا الكلام غير دقيق، فقد أحببت تبيان ذلك للمهتمين وطلبة العلم، فأقول مستعينًا بالله تعالى:
موضوع إلحاق اسم عائلة الزوج باسم الزوجة، وإن كنت لا أحبّه، ليس له علاقة بهذا الحديث.
وللأسف فإن مثل هذه (المنشورات) تحتوي على إساءة لفهم كثير من قضايا وأحكام الشريعة الغراء.
ولتوضيح ذلك، أقول:
·       فهم الحديث يجب أن يتم بعد جمع رواياته المتعددة، لأن كثيرًا من الرواة كانوا يذكرون الحديث بالمعنى، وليس باللفظ، مما قد يوقع في سوء الفهم، وهذا يتم تداركه عبر جمع روايات الحديث.
·       كما أن الكلمات المستخدمة في الأحاديث النبوية وأقوال السلف قد لا تكون بنفس المعنى الذي يتبادر إلى أذهان المعاصرين، إذ تصبح لبعض الكلمات معانٍ عرفية تختلف عن أصل استخدامها، ولذا يجب الرجوع إلى كتب شرح الحديث أو كتب اللغة لفهم المعنى المقصود من الكلمة أو المصطلح.
بناءًا على ما سبق:
·       هذا الحديث بهذا اللفظ رواه ابن ماجه عن ابن عباس، والحديث قد ورد من روايات العديد من الصحابة، فقد ورد (في الكتب الستة فقط) من رواية: عليّ بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بكرة، وأنس بن مالك، وابن عباس، ووَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وعَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ، وأَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، رضي الله عنهم أجمعين.
وقد ورد الحديث بلفظ (من انتسب) في رواية واحدة فقط، وهي رواية ابن عباس عند ابن ماجه، وهي المذكورة في الحديث المنشور أعلاه.
أما بقية الروايات فكلها جاءت بلفظ (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ)، وفي رواية سعد وأبي بكرة للحديث – وهي عند البخاري، ح4326، ح6766، ح6767، ومسلم، ح(63)، وابن ماجه، ح2610، وأبي داود، ح5113 – جاء الحديث بلفظ (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ).
·       إذًا فالمقصود من كلمة (انتسب) في رواية ابن عباس هو (أن يدّعي المرء أبًا له غير أباه الحقيقي)، وليس المقصود فيها أن يذكر اسم عائلة أخرى غير اسم عائلته مع اسمه، دون أن ينتفي من أبيه.
·       كلمة (انتسب) مشتقة من الفعل (نسب)، والذي يعود أصل معناه إلى (اتِّصَالُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ) ومنه اشتقّ (النَّسَبُ)، وسُمِّيَ بذلك (لِاتِّصَالِهِ وَلِلِاتِّصَالِ بِهِ)، كما في مقاييس اللغة لابن فارس.
·       وعليه فكلمة انتسب هنا لا تحمل على المعنى اللغوي العام لها، إذ المعنى العام لها في اللغة يتيح للمرء أن ينتسب إلى كل ما له اتصال به، ولذلك يمكن أن ينتسب المرء إلى بلده، فتقول: الخليلي والمقدسي، وأن ينتسب إلى مذهب، فتقول: فلان الشافعي، والمالكي، وهكذا.
·       وهل يجوز نسبته إلى قبيلة أخرى ليس بيه وبينها انتساب بالدم والميلاد؟ أقول نعم يجوز، والعلماء ينسبون الشخص لمن كانت له علاقة به عن طريق ما يسمى (الولاء)، وهو عندهم ثلاثة أنواع؛ ولاء الحلف، وولاء الإسلام، وولاء العتق، والذي يقرأ كتب التراجم يجد كثيرًا من ذلك، ومن الأمثلة عليه الأسماء التالية:
ü    الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة (الجُعْفِيّ) البخاري، وهو لم يكن (جُعفيًّا)، وإنما قيل له (الجُعْفِىّ) لأن أبا جدّه (المغيرة بن بردزبة) أسلم على يدي (يمان الجُعْفِىّ)، والى بخارى، فنسب إليه، وهذه تسمى نسبة ولاء الإسلام، إذ ينتسب الرجل فيها إلى من أسلم على يديه.
ü    الإمام سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ بنِ أَبِي عِمْرَانَ مَيْمُوْنٍ (الهِلاَلِيُّ) لم يكن من بني هلال، قال السمعاني في كتابه (الأنساب، 13/ 440) عن الهلالي: (هذه النسبة إلى بني هلال، وهي قبيلة نزلت الكوفة، والمنتسب إليها ولاء الإمام أبو محمد سفيان بن عيينة ابن أبى عمران، واسمه ميمون الهلالي، مولى امرأة من بنى هلال)
ولو أردنا ذكر الأمثلة فإن ذلك يطول.
·       أما اللفظ الوارد في أغلب الروايات، وهو (من ادّعى) فإن عبارة (ادَّعيتُ الشيءَ) تعني (زَعَمْتُهُ لِي حَقّاً كَانَ أَو بَاطِلًا)، و(الدِّعْوة) بِكَسْرِ الدَّالِ تعني (ادِّعاءُ الوَلدِ الدَّعِيِّ غَيْرَ أَبيه) أو (أَن ينْتَسب الإِنسان إِلَى غَيْرِ أَبيه وَعَشِيرَتِهِ)، وهذا المعنى لا ينطبق على تسجيل المرأة باسم عائلة زوجها.

والخلاصة أن فهم الأحاديث واستنتاج الأحكام منها لا يكون بالمتبادر إلى الأذهان بدون مراجعة أقوال السابقين، لأن التمكن في اللغة العربية هو الأساس في الفهم، وهذا الأمر مفقود في أبناء هذا الزمان.

2013/05/22

مجدي الجعبري.... موعد مع الحرية


مجدي الجعبري.... موعد مع الحرية
كنت أسمع باسمه دون أن أعرفه، فهو أحد أبناء عائلتنا، وهي عائلة كبيرة لا يتاح لك التعرف على كل أفرادها، وكان قد اعتقل سنة 1997 وهو في العشرين من العمر، ولم أكن قد التقيت به، ورغم أنني سجنت عدة سنوات بعد سنة 1997، إلا أنني لم ألتق به إلا في بدايات سنة 2009 عندما انتقلت إلى سجن النقب، ودخلت قسم أ4 (المسمى قسم القفص)، وهناك بعد أن قام الإخوة الأحباب بالترحيب بي وجلسنا في إحدى خيام حماس للتعارف، وكنت أعرف أكثر من نصف الموجودين الذين كانوا نحو العشرين مجاهدًا قال لي أحد الإخوة: هناك بيننا أخ من عائلة الجعبري، هل عرفته؟؟؟ نظرت في الوجوه فلم أستطع تمييز من هو المقصود، وعندما عجزت عرفوني عليه فقمت وعانقته مرة أخرى، وشعرت بالسرور لأن الله تعالى قدّر لي الالتقاء به، فقد كنت أسمع أيام سجني عنه أخبارًا طيبة، وثناءً عاطرًا.
ومرت الأيام وتوثق علاقتي بأخي (مجدي) فقد انتقلنا مع كل القسم أيامها إلى قسم جديد في النقب (قسم الكرفانات ب7) وعشت مع مجدي في نفس الغرفة عدة أشهر مع ثلة من خيرة الشباب، وبعدها أغلق القسم فتوزعنا، ثم عدت والتقيته في قسم ج6، وفي سجنتي الأخيرة عشت وإياه في نفس الغرفة (غرفة 12 في قسم 9 في النقب).
هي نعمة عظيمة ينبغي لنا أن نديم شكر الله تعالى عليها، تلك هي نعمة الالتقاء بهؤلاء الشباب المجاهدين والتعرف عليهم واكتشاف معادنهم الأصيلة، هذا الاكتشاف الذي لا يكون حقيقيًّا إلا في ظل المعاناة، ففيها تتكشف معادن الرجال على حقيقتها، وقد برهن (مجدي، أبو البراء) أثناء سنوات سجنه الـ 15.5 على معدن أصيل لا تزيده المحن إلا تألقًا.
سجن مجدي مع مجموعة من خيرة شبابنا كانوا يشكلون خلية تابعة لكتائب القسام تعمل بالتنسيق مع الشهيدين القائدين (عبد الله القواسمة، أبو أيمن) و(محمود أبو هنود)، وكانت مجموعتهم مكونة من: مجدي الجعبري وباسم الجعبري وهاني الشريف وشادي غلمة، وقاموا بعدة نشاطات جهادية، كان يفترض منهم أن يتوجوها بعملية خطف دربهم عليها الشهيد (أبو هنود)، ولكن قدر الله قضى أن تفشل عمليتهم، وأن تلاحقهم قوات الاحتلال بعد أن أثارت السيارة التي كانوا فيها الاشتباه، فهربوا بسيارتهم التي انقلبت بهم أثناء المطاردة، وعندما جاءت سيارات الإسعاف لإنقاذهم وهم مصابون ظنوهم مستوطنين لأنهم كانوا متخفّين بثياب المستوطنين المتدينين، ثم اكتشفوا أنهم مجاهدون فلسطينيون فتم نقلهم إلى التحقيق وهم جرحى، ولاحقًا صدرت بحقهم أحكام رادعة فقد حكم مجدي بالسجن 15.5 عامًا، وباسم 13.5 عامًا، وهاني 16 عامًا، وشادي 17 عامًا.
وفي السجن عمل هؤلاء الشباب على الارتقاء بأنفسهم في مجالات شتى، أما مجدي فقد درس اللغة العبرية وأتقنها إتقانًا جيدًا، وحفظ من القرآن قسطًا وافرًا، بالإضافة إلى تميزه في العمل في مرافق السجن المختلفة، التي لم يترك مرفقًا منها إلى وعمل فيه في خدمة إخوانه.
مجدي يمتاز بالهدوء والتواضع والمبادرة إلى الخدمة، وإتقان لما يعمل، عندما كان يعمل (ممثلاً للأسرى في قسم ما، دوبير أو شاويش بلغة الأسرى) فإنه يكون من أقوى المدافعين عن حقوق إخوانه وإنجازاتهم، وبطريقة تجمع بين القوة والذكاء، وعندما كان يعمل في المطبخ فإن له إبداعات وإتقانًا لا يتوفران للكثيرين، وأذكر أننا عندما كنا معًا في غرفة 12 قسم 9 في النقب، وكنت أنا (الطباخ الرسمي) للغرفة فقد كنت ألجأ إليه عندما تصعب عليّ إحدى الطبخات ليساعدني فيها، ففي إحدى المرات أحضرت لنا الإدارة أقراص (اللفت)، ونحن في الخليل نطبخها ضمن (المحاشي) فنحفرها ونحشوها بالرز ونطبخها (أذكر هذه المعلومة لأن الكثيرين من إخواننا في المناطق الأخرى استغربوا قيامنا بحشو اللفت)، يومها قلت لهم إنني – وبما أنها المرة الأولى من سنوات طويلة يأتينا فيها اللفت – فلن أغامر بطبخه لكم وأنا لا أتقن ذلك فقام مجدي بتولي أمور الطبخة كاملة، وساعده عدد من الشباب في حفر اللفت، وكانت طبخة مميزة سيظل أسرى غرفة 12 يذكرونها بسبب الأجواء الطيبة التي رافقت ذلك.
وكان لمجدي في الرياضة في السجن صولات وجولات، فهو من الشباب الذين أدركوا أن إهمالهم لأجسادهم سيراكم عليها السلبيات بسبب طول فترة سجنهم، فكان له برنامج رياضي يومي، يبدؤه بعد (عدد الصباح) ويمارس فيه الرياضة نحو ساعة يوميًّا، فاستطاع بفضل الله الحفاظ على صحته ولياقته رغم طول فترة سجنه.
الذكريات كثيرة، وليس هذا المجال المناسب لذكرها كلها، ولكني سأذكر قصة طريفة حدثني إياها مجدي وهاني عن أيام تدربهم مع الشهيد (أبو هنود) على عملية الخطف، فقد كان يفترض أن يقود هاني السيارة، ويجلس مجدي في الكرسي الخلفي، وعندما يصعد (الهدف) يجلسونه في الكرسي الأمامي بجانب السائق، وبعد التحرك يقوم مجدي من الخلف بوضع حبل حول رقبته لمنعه من التحرك، فأراد (أبو هنود) التأكد من جاهزيتهم، فطلب منهم تمثيل ما يجب فعله، وأخذ هو – رحمه الله – دور (الهدف)، وعندما وضع مجدي الحبل حول رقبته قام بشدّه والضغط عليه لمنعه من التحرك، فقد كانوا يرغبون بإثبات جدارتهم لتنفيذ المهمة، وبعد حين انتبه هو وهاني أن (أبو هنود) كان يشير بيده، وقد ازرقّ لونه، وانقطع صوته ونَفَسُه، فقد كادوا يخنقونه من قوة شدَّ الحبل، وعندما أطلقوه قال لهم: لقد تأكدت الآن من جاهزيتكم. وعندما حدثوني بالقصة قالوا لي: لقد كدنا نقتل (أبو هنود) من شدة اندماجنا فيما كنا فيه.
كانت هذه إحدى القصص الكثيرة التي لدى هؤلاء، منها قصص طريفة، وأخرى مؤلمة، قصص فيها ما يدفعك للشعور بالفخر، وأخرى تؤرخ لتجارب فيها أخطاء يجب معرفتها ليستفيد الآخرون منها، ويجمعها أنها جزء من تاريخنا النضالي الشفهي الذي يجب أن يتم توثيقه ما دام أبطال أحداثه موجودين.
المهم.... غدًا الخميس 23/5/2013 تنتهي – بمشيئة الله تعالى – رحلة السنوات الخمسة عشر والنصف التي قضاها مجدي خلف القضبان، ويتنسم عبير الحرية، ويزول عنه همّ السجن ومعاناة الأسر، ويبقى الأجر إن شاء الله.
غدًا موعدنا للالتقاء بالأخ الحبيب مجدي، وموعده هو للالتقاء بالحرية التي سعى لتحقيقها لإخوانه الأسرى ودفع أحلى سنوات عمره ضريبة لذلك.
فأهلاً بك يا أبا البراء في مدينتك التي قد أحببتها، بين أهلك الذين اشتاقوا إليك.
والعقبى لبقية الأحباب.
  
  
          

2013/05/11

الكتلة الإسلامية وانتخابات مجلس الطلبة



الكتلة الإسلامية وانتخابات مجلس الطلبة



يحق لأبناء وبنات الكتل الإسلامية في جامعاتنا في الضفة المكلومة أن نقف لهم وقفة اعتزاز وافتخار، فهم يرفعون الراية في زمن يحاربهم فيه القريب والبعيد، ويزرعون في حقول الشوك الورود، وحالهم هو كما وصف رسولنا صلى الله عليه وسلم أنهم ( لا يجدون على الحق أعوانًا). 

ورغم كثرة التحليلات المتعلقة بالانتخابات، ومنها ما قاله الناطق باسم فتح بأن فوز الشبيبة في هذه الانتخابات رسالة مدوية تثبت أن حركة فتح ما زالت تتمتع بثقة الغالبية العظمى من الجماهير الفلسطينية، وأن هذا الفوز بمثابة مبايعة لقائد الحركة ورئيس الشعب الفلسطيني ابو مازن، واستفتاء على منهج قائد الحركة وبرنامجها السياسي، وبالنسبة لفتح فهذه عادتها، تحميل الأمور أكثر مما تحتمل، والتعامي عن الحقائق، وأبرزها أن تحقيق الكتلة الإسلامية لهذه النتائج (المتواضعة) في ظل القمع البوليسي الذي تتعرض له والهجمة من قبل كل من سلطة عباس والاحتلال يعتبر انجازًا نوعيًا له ما بعده، فإن هذا ليس هذا ما يهمني من المسألة، فالذي يهمني هو موقفنا نحن من الانتخابات، وهنا لا بد من إبداء الملاحظات التالية، أوجهها لأبنائي في الكتل الإسلامية، عسى أن نعمل على تطوير الأداء وتجاوز الأخطاء:

أولًا: لم يكن هناك تزوير في هذه الانتخابات، بمعنى تغيير الصناديق، واقتراع غير ذوي الحق، والصيحات التي صدرت من البعض مدعية حصول ذلك لا أظنها تعبر عن الموقف الرسمي للكتلة الإسلامية، وإنما هي صيحات مكلومين حرَّكتهم عواطفهم الجياشة، وهالهم أن النصر الذي كانوا يرجونه لم يتحقق، وذلك نابع من عدم دراستهم للواقع الحقيقي، فانتصار الكتلة الإسلامية قد تحقق بمجرد مشاركتها في ظل هذه الظروف الأمنية والقمع البوليسي الذي يتعرض له أبناء التيار الإسلامي، وأنا هنا أوجه نداء لهؤلاء المخلصين أن لا يقعوا في هذا الفخ، فخ الاتهامات غير الواقعية، وغير المستندة إلى أدلة، لأن هذا يسيء إلينا أولاً وآخرًا.


ثانيًا: التزوير الحقيقي والفعلي للنتائج هو هذا الجو من الإرهاب الذي تمارسه السلطة ضد معارضيها، والذي يمنع الكثيرين من المشاركة والإدلاء بأصواتهم خوفًا من عواقب ذلك، وأنا متيقن أن الظرف الذي تعيشه الضفة المكلومة لو كان غير ما هو عليه لكانت النتائج مغايرة، وهذه رسالة يجب أن يدركها الإخوة الذين يفاوضون فتح حول المصالحة، مفادها لا تقعوا في فخ الموافقة على إجراء الانتخابات إلا إذا تهيأت ظروف الحرية اللازمة لذلك، وإلا فإن الانتخابات ستزور ليس بتغيير الصناديق واقتراع الموتى والغائبين، وإنما بتزوير الإرادات، ودفع مؤيدينا لعدم الاقتراع خوفًا على أنفسهم ومصالحهم.

ثالثًا: نحن بحاجة إلى نقد ذاتي، ودراسة لما حدث، واستخلاص للعبر منه، فهل كان أداؤنا كما يجب أن يكون؟؟؟ هل مارسنا الدعاية بالطريقة التي تحقق جلاء الصورة وتوضيح الحقيقة؟؟؟ وخصوصًا مع حملة التشويه المستمرة من سنوات، والتي جعلت قطاعًا واسعًا من أبنائنا وبناتنا لا يعرفون عن التيار الإسلامي إلا ما يسمعونه من سلبيات، فهم لم يشاهدوا أبناء هذا التيار على أرض الواقع لأنهم غائبون أو مغيبون، والمطلوب جهد مضاعف لجلاء الحقائق.
إنها دعوة أوجهها لأبنائنا وبناتنا في الكتلة الإسلامية أقول لهم فيها إن النتائج المتواضعة التي حصلتم عليها، رغم أنها إنجاز مقبول في ظل ظروفكم التي تعيشونها إلا أنها يجب أن تطرح السؤال الذي يجب عليكم مناقشته: هل لم يكن بالإمكان أفضل مما كان؟؟؟
الفشل في الإنجاز له أسباب خارجية وداخلية، ومن الخطأ الشنيع أن نركز على الأسباب الخارجية التي ليس بيدنا تغييرها، لأن ذلك سيدفعنا لليأس والقعود، والمهم بعد إدراكنا لعوامل الإعاقة الخارجية أن نقف مع ذواتنا وقفة نقيم من خلالها أداءنا، ونتعرف على أخطائنا وعثراتنا، فنحن لسنا معصومين، والخطأ وارد، ولا تظنوا أنني أحملكم وحدكم مسؤوليته، فكلنا شركاء فيه، ولكم عذر في أنكم تعملون بدون الاستفادة من تجارب سابقيكم في كثير من الأحيان، ولكن تذكروا أن مراجعة الذات وتقويم الأداء من أهم عناصر التطور وتجاوز الأخطاء في المستقبل.
أسأل الله أن يوفقكم للخير، ويسددكم للصواب، وأن يرفع بأيديكم راية الإسلام خفاقة في كل مكان.

(نشرت بتاريخ 20/4/2013 على صفحتي في الـ  Facebook )


ملاحظات من جنازة الشهيد ميسرة أبو حمدية

ملاحظات من جنازة الشهيد ميسرة أبو حمدية

شاركت اليوم في تشييع الشهيد الكبير ميسرة أبو حمدية إلى مثواه الأخير، رحمه الله تعالى، وأسكنه فسيح جنانه مع الشهداء والصالحين.
وقد لفت نظري أثناء الجنازة عدة ملاحظات، أحببت مشاركتكم إياها:
أعجبني ذلك التنوع في المشاركين في التشييع، فقد رأيت الشباب والأشبال، كما رأيت الكهول والشيوخ، وقد كان حضور الشباب لافتًا، وهو أمر يبشر بخير، وبأن محاولات تدجين هذا الجيل باءت وستبوء بالفشل.
ولم يعجبني أن عددًا من المشاركين في الجنازة لم يشاركونا لا في صلاة الظهر ولا في صلاة الجنازة، بل إنهم كانوا أثناء أداء الصلاة يهتفون ويصفقون ويطلقون النار في الهواء، ويشوشون بذلك على المصلين.
وأعجبني أني وجدت الكثير من إخواني الأعزاء، رفاق الأسر، ومنهم عديدون لم يتحرروا من السجن إلا في الآونة الأخيرة كانوا مشاركين وبشكل كثيف، في لفتة وفاء لأخ لهم، لعل كثيرًا منهم لم يلتقوا به، ولكن روابط الأرواح لها قوة عجيبة.
ولم يعجبني استفراد جهة معينة بالسيطرة على مجريات الجنازة، وعدم إتاحة المجال للآخرين، الذين اختار الشهيد بنفسه العيش في صفوفهم في أيامه الأخيرة ليعبروا عن مشاركتهم بالشكل اللائق.
أعجبتني الهتافات التي كانت تركز على الوحدة بين فصائل شعبنا كافة.
ولم يعجبني الذين يهتفون بالدعاوى الكاذبة، والعصبية المفرطة، والذين يتبجحون بما لا يستطيعون ولا ينوون.
هذه ملاحظات سريعة على مجريات الجنازة، وسيبقى الوجع الذي سببه استشهاد المجاهد أبي طارق حاضرًا في قلوبنا، إلى أن يتحرر أسرانا البواسل.

رحمك الله يا أبا طارق.

بعد انحسار العاصفة

الآن وقد هدأت عاصفة الجدل حول الماراثون (المختلط) الذي نظمته جمعية تنظيم وحماية الأسرة في الخليل، ذلك الماراثون الذي استفز أهل هذه المدين...