2013/05/11

أبو طارق وشموخ الصابرين


أبو طارق وشموخ الصابرين





لقائي مع القائد الشهيد ميسرة أبو حمدية لقاء لن أنساه ما عشت، فهو لقاء تشرفت فيه بالاجتماع مع رجل من النماذج النادرة في هذا العصر، مع رجل يقدم نموذجاً للصبر والشموخ في زمن عزَّ فيه الشامخون.
كان ذلك قبل نحو شهر من الآن، في رحلة من رحلات بوسطة السجن، تلك الرحلة التي يستشعر المسافر فيها حقًّا معنى عبارة (السفر قطعة من العذاب)، يومها صعدت إلى باص البوسطة، وكالعادة مقيد اليدين والرجلين، وما أن دلفت إلى الزنزانة ذات المقاعد الحديدية التي في الباص، ولا يستغربنّ أحدكم أن الباصات تحوي زنازين، فهو الواقع الذي نعيشه ونشاهده نحن الأسرى، حتى وقعت عيني على جبلين شامخين وبطلين مجهولين من أصدقائي الأعزاء وهما الأخ المجاهد جميل النتشة – أبو عاصم – عميد أسرى حماس حالياً في السجون، فهو في الأسر منذ سنة 1992، وقد بقي له من محكوميته نحو تسعة شهور، والأخ المجاهد مشهور الرجبي – أبو بهجت – المحكوم بالسجن 45 عامًا، مضى منها نحو 8 سنوات فقط، وبعد أن صافحتهما وعانقتهما، والقيود لدي ولديهما تعوق من إيفاء العناق والمصافحة حقهما الذي يفرضه الشوق، همس أبو عاصم في أذني مشيراً إلى وجود الأخ المجاهد الكبير (ميسرة أبو حمدية) معهم في البوسطة، فالتفتُّ إلى حيث هو لإلقاء السلام عليه، وقد كنت أسمع عنه كثيرًا من الاخوة الأسرى، وكانوا يثنون عليه الثناء العاطر، ولم يكن قد حصل لي شرف الالتقاء به قبل ذلك اليوم.
كان أبو طارق – رحمه الله – يجلس على الكرسي الأول بجانب الباب إلى يمين الداخل للزنزانة المتنقلة، فسلمت عليه، وقبلت رأسه، وجلست إلى جانبه، وعرفته بنفسي، وكما هي العادة فقد دار بيننا الحديث الذي يدور بين الأسرى عندما يتعارفون، فيه الاطمئنان على الأحوال، والسؤال عن الصحة، والتأكد هل بقي الأخ الذي تلاقيه في السجن الذي تعرف أنه فيه أم أن الأيام نقلته إلى سجن آخر، ونقل سلامات الأسرى الآخرين له، والدعاء المتبادل بالفرج من الله، والقبول والتثبيت، إلى آخر هذه الأحاديث التي تخالف ما يتحدث به أهل الدنيا عندما يلتقون، فإننا ونحن في الأسر نعيش في دنيا غير الدنيا التي يعرفها غالب الناس.
لقد كنت أسمع من الإخوة الذين كانوا يخرجون في (البوسطات) عن تردي الحالة الصحية للأخ أبي طارق، فـ (البوسطات) تستخدم لتبادل الأخبار بين السجون المختلفة، ومن الطبيعي أن تستمع الأخ العائد من البوسطة وهو يقدم تقريرًا إخباريًّا عما سمعه: فلان انتقل من سجن كذا إلى سجن كذا، وفلان أفرج عنه، وفلان أصيب بمرض كذا، وفلان أنهى دراسته الجامعية، وفلان تم تمديد اعتقاله، وفلان حكم بالسجن كذا وكذا، وهكذا تنتقل الأخبار بين السجون المختلفة، فمن الطبيعي أن خبر مرض الأخ ميسرة كان قد انتشر في السجون قبل ذلك بفترة، وخصوصًا أنه خرج عدة مرات في رحلة البوسطة لإجراء الفحوصات في مستشفى سجن الرملة، وكان بعض إخواننا الخارجين من سجن النقب يلتقونه، ولكن الرائي ليس كالسامع، لقد وجدت أن كل ما كنا نسمعه عن تردي الحالة الصحية للأخ ميسرة – رحمه الله – لا يعبر عن الصورة الحقيقية لذلك، عندما جلست إلى جانبه كان يبدو عليه الهزال الشديد، حتى أن وزنه لا يكاد يصل إلى 50 كيلوغرامًا، بل إنه كان يضع يده على فخذه فتكاد يده تضم بين أصابعه فخذه كلها من شدة الهزال، أما صوته فكان خافتًا لا يكاد يُسمع، حتى أني كنت أضع أذني قرب فمه لأسمع ما يقول، ومع ذلك فالصوت يصل ضعيفًا خافتًا، وبعض الكلمات لا تكاد تفهم من ضعف الصوت، وقد آثرت عدم مواصلة الحديث معه، لئلا أتعبه فرحلتنا طويلة، وسيكون هناك مجال للحديث معه أكثر إن أتاحت ظروفه الصحية ذلك.
وصلنا بعد ساعتين سجن السبع حيث ننزل في العادة إلى محطة يتم فيها تبديل (الشفت) في البوسطة، ويضعوننا في زنازين سيئة للغاية، نبقى فيها حتى الساعة الساسة مساء، حيث موعد استئناف الرحلة الطويلة، وفي زنزانتنا تلك جاؤونا بوجبة الطعام الوحيدة لذلك اليوم، والتي تتكون من بيض مسلوق، وبطاطا مسلوقة، ولم يكن أبو طارق يستطيع الأكل إلا بمشقة شديدة، ولم يكن لدينا ماء، وكان لا يمكنه الأكل إلا بأن يسيغ كل لقمة بشربة ماء بعدها، فصرخنا وصحنا حتى اضطر حراسنا لإحضار بعض الماء ليتمكن أبو طارق من الأكل، وماذا كان كل ما أكله؟؟ بيضةٌ مسلوقة واحدة.
انتقلنا في البوسطة بعدها إلى (معبر الرملة)، الذي وصلناه نحو الساعة التاسعة ليلًا، حيث نمضي ليلتنا وفي اليوم التالي يتم ترحيل كل أسير إلى حيث هو ذاهب، وقد كنت ذاهبًا إلى المحكمة في (عوفر)، أما الأخ أبو طارق فقد كان ذاهبًا إلى مستشفى خارجي – أي أنه لا يتبع مصلحة السجون – لإجراء فحوصات، وعندما يدخل الأسرى (معبر الرملة) يتم توزيعهم في الغرف عشوائيًا، فيتم ملء الغرف تباعًا، ولذلك ليس باختيارك أن تبيت ليلتك تلك مع من ترغب ممن يرافقونك، ولذلك لم يتح لي أن أكون والأخ ميسرة في نفس الغرفة.
في اليوم التالي ذهبت إلى محكمتي في عوفر، وهم يبدؤون تجهيزنا بوضع القيود في أيدينا ونقلنا إلى الأقفاص في المعبر عند الساعة الثالثة قبل أذان الفجر، ونبقى في الأقفاص حتى الثامنة صباحًا، ثم ذهبنا إلى المحكمة، وعدنا منها إلى الرملة عند الثامنة مساءً، فسألت عن الأخ ميسرة، فإذا به قد عاد من المستشفى عند الساعة الرابعة عصرًا، وهو موجود في أحد الأقفاص حيث يتواجد معه فيه نحو ثلاثين أسيرًا آخر، وكان كثير منهم للأسف يدخنون بلا مراعاة لظرف الأخ ميسرة الصحي، وكان الجو في ذلك اليوم شديد البرودة، حتى في منطقة الرملة، وقد عانينا من شدة البرودة حتى بعد وصولنا سجن السبع، فما بالكم بالحال التي كان عليها الأخ أبو طارق بوضعه الصحي الذي كان فيه!!
انتقلنا من أقفاص (معبر الرملة)، وما أدراك ما أقفاص (معبر الرملة)؟، فهي وحدها حكاية، لعلي أقصّها في يوم من الأيام، وكان ذلك عند الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، أي أن الأخ ميسرة قضى في تلك الأقفاص المعدة لتعذيب الأسرى وإذلالهم ثماني ساعات مرهقات، انتقلنا إلى باص البوسطة مرة أخرى راحلين إلى (معبر سجن السبع) حيث المفترض أن نبيت ليلتنا ليتم توزيعنا عائدين إلى السجون التي جئنا منها مرة أخرى.
وصلنا سجن السبع عند الساعة الثالثة والنصف قبل الفجر، والأسير ما يكاد يصل الغرفة هناك حتى يرتمي على البرش طالبا لاقتناص سويعات من الراحة بعد رحلة تمتد في تلك المرحلة منها 24 ساعة تكون في أغلبها مقيدا في الباص أو محشورا في الأقفاص، وكان لي شرف أن أرتب للأخ الكبير المجاهد ميسرة برشه، الذي كان لا يقوى على ترتيبه، ثم استيقظنا بعد نحو ساعتين أنا وهو وأخ آخر لنؤدي صلاة الفجر في وقتها بفضل الله وحده.
ومن هناك عاد كل منا إلى السجن الذي كان فيه، وفي أثناء ذلك اغتنمت الفرصة للحديث مع الأخ أبي طارق، فأخبرني بمجريات رحلته إلى المستشفى، وعلمت منه أن ذهابه إلى المستشفى كان لإجراء تصوير طبقي، فقد كان الأطباء لا يزالون يجرون له الفحوصات لتحديد المرض الذي كان يعاني منه منذ فترة طويلة، وبالمناسبة فإنهم لم يشخصوا المرض بأنه السرطان ولم يبدؤوا إعطاءه العلاج الكيماوي إلا بعد تلك الرحلة، يعني قبل أقل من شهر على استشهاده.
في لقائنا ذاك، ورغم الحالة الصعبة التي كان فيها الأخ ميسرة، ورغم الآلام التي كانت تنهش جسده – كما أخبرني – ورغم الإهمال الطبي الذي كان يعاني من آثاره إلا أنه كان نموذجا للرجل المؤمن الصابر الراضي بقضاء الله، قال لي في حديثه: لقد عزفت نفسي عن الدنيا وكل ما فيها، وكل من أريده منها لحظات من الهدوء والسكينة أعيشها في ما تبقى لي من أيام.
لقد شعرت بالإيمان العميق الذي كان يعمر قلب هذا الرجل، ورأيت كيف يصبر بعض الرجال صبر الجبال، وكيف يشمخ بعض الأبطال شموخ السحاب، وكيف يزهد بالدنيا من كانت الدنيا في يده لو أراد، ميسرة أبو حمدية، ذلك الرجل الذي كان ضابطًا كبيرًا في جهاز الأمن الوقائي، ولم يمنعه ذلك من أداء دوره الجهادي، والذي حكم بالسجن المؤبد نتيجة لعمله مع حماس، ومع أنه لم يقض الله له أن يتم الإفراج عنه في صفقة وفاء الأحرار، مع أن بقية أعضاء المجموعة التي عمل معها أفرج عنهم، فإنه رغم ذلك حول رسميًّا انتماءه بعد تلك الصفقة وانتقل من صفوف فتح التي بدأ مسيرته فيه، إلى صفوف حماس التي جاهد معها، وآثر أن يختم مسيرته تحت رايتها، وقال عن ذلك: "لم أرغب بالتحويل رسميا من فتح إلى حماس قبل الصفقة لئلا يظن ظانّ أنني فعلت ذلك ليوضع اسمي فيها، أما الآن فتحويلي ليس فيه شبهة رغبة دنيوية"، وهو موقف لا يصدر إلا عن رجال عزّ وجودهم في هذه الأيام.
كانت تلك قصة السويعات التي عشتها مع الأخ العظيم، والرجل الكبير، ميسرة أبو حمدية، الذي اختاره الله ليصطفيه شهيدًا عنده إن شاء الله، ليكون شاهدًا على ظلم الاحتلال وأعوانه، وهي سويعات عظيمة لن أنساها ما حييت، وأسأل الله تعالى الذي جمعني به في تلك الرحلة على غير ميعاد أن يجمعني وإياه وسائر إخواننا في جنان النعيم في مقعد صدق إنه عزيز مقتدر.


رحمك الله يا أبا طارق، ورفع درجتك في عليين من النبيين والشهداء والصالحين، وعوض الأمة عن فقدك خيرًا.

2011/03/18

زيارة عباس لغزة ... وما وراءها ... رأي شخصي

أود في البداية أن أؤكد على أن ما أكتبه هنا هو تعبير عن رأيي الشخصي لوحدي، وهذا الرأي لا يمثل أي جهة من الجهات.

الرئيس الفلسطيني (محمود عباس) أعلن قبل أيام عن استعداده لزيارة قطاع غزة خلال الأيام القليلة القادمة لإنهاء الانقسام، داعيًا رئيس الوزراء الأخ (إسماعيل هنية) لإجراء ترتيبات زيارته، واستقباله في معبر بيت حانون بالتنسيق مع فصائل العمل الوطني والفعاليات الشعبية.

فهم البعض أن هذا الإعلان جاء استجابة لدعوة الأخ (هنية) للبدء في حوار فوري وجادّ لإنهاء الانقسام، ولكن هل هذا هو الواقع؟؟

في البداية يجب أن نقرأ بدقة ما قاله (عباس)، فهو قد أعلن استعداده للذهاب إلى غزة من أجل:

1. تشكيل حكومة من شخصيات وطنية مستقلة

2. التحضير فورا لانتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني خلال ستة أشهر تحت رعاية الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

كما أن عباس شدد في كلمته على انه لن يذهب لغزة للحوار مع حماس؟!!

إذًا فـ (عباس) لا يريد الحوار، وإنما يسعى لتحقيق ما يسميه زورًا وبهتانًا انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف دولي.

وهذا هو ما أكده الناطقون باسمه، الذين تقوم وظيفتهم على تفسير تصريحاته، فأمين سر المنظمة (ياسر عبد ربه) قال في تصريحات لتلفزيون فلسطين الرسمي:"الرئيس أكد أنه ذاهب إلى قطاع غزة ليس من أجل الحوار، وإنما من أجل إنهاء الانقسام والمباشرة بخطوات عملية، بتشكيل حكومة وفاق وطني من شخصيات وطنية ومستقلين، تحظى برضى الجميع، وبعيده عن الفصائلية".

أما رئيس كتلة فتح البرلمانية (عزام الأحمد) فقد صرح لـ (القدس العربي) بأنه "لا علاقة لمبادرة أبو مازن بدعوة هنية إطلاقا، وتختلف جذريا عما تقوله حماس بأن توجه أبو مازن لغزة جاء استجابة لدعوة إسماعيل هنية، أبو مازن قال بشكل واضح: أنا ذاهب لتشكيل حكومة وليس للحوار".

ما المغزى من كل ذلك:

يجب أن نعلم – بدايةً – أنه لا يمكن معالجة أعراض أي مرض دون معرفة أسبابه ومعالجتها، فالانقسام مجرد عَرَضٍ لمرض نخر في جسد الشعب الفلسطيني، فهو كالصداع الذي يرافق مرض ارتفاع ضغط الدم، لو أخذت له كل المسكنات فلن تفلح ما لم تعالج المرض الأصلي وهو ارتفاع ضغط الدم، فهل مشكلة الانقسام متعلقة بـ (تشكيل الحكومة) و (إجراء الانتخابات) كما يزعم عباس وفتح؟؟ أم أن سبب الانقسام شيء آخر؟؟

الكل يعلم بأن مشكلتنا ليست في ذلك، بل مشكلتنا في عدم إيمان فتح وعباس بـ (الرأي الآخر ومبدأ تداول السلطة)، وهذا هو الذي سبب انقلابهم على الشرعية التي نالتها حماس في انتخابات سنة 2006م، والتي كانت حرة ونزيهة بشهادة الجميع، وهنا يجب أن نلاحظ أن عباس توجه بدعوة (هنية) لاستقباله خلال ممارسته مهامه كرئيس فلسطيني باعتبار (هنية) قياديا في حماس، وليس رئيس وزراء الحكومة التي نالت ثقة المجلس التشريعي.

كما أن من مشاكلنا المستعصية استلقاء فريق أوسلو في أحضان الصهاينة والأمريكان، ولو أدى ذلك إلى إراقة دماء أبناء شعبهم وإلى محاربة الشرفاء والمجاهدين.

ومن مشاكلنا ذلك الفساد المستشري في أجهزة السلطة، والذي يجعل أصحابه خائفين من كل ما من شأنه فتح الطريق لمحاسبتهم على جرائمهم ضد الشعب.

وهناك الكثير من المشاكل المنبثقة عما سبق لن أستطرد في استقصائها، ولكني أجزم أن مشكلتنا لن يتم حلها بإجراء الانتخابات وتشكيل حكومة مستقلين.

وهناك سؤال يطرح نفسه: لماذا هذا الإصرار الغريب من عباس وفتح على موضوع الانتخابات في هذه المرحلة؟؟؟ هل أصابتهم نوبة من (الديمقراطية)؟؟؟ أم أنهم ينوون – كما يظن البعض – تزوير الانتخابات، وهم متأكدون أن العالم سيسكت عن تزويرهم ليعطيهم الشرعية التي يفتقدونها.

أنا شخصيًا أظن أن الانتخابات لو حصلت فلن تزور بالطرق التقليدية للتزوير، تلك الطرق التي كان يستخدمها حكام العرب المدحورين، ولكن التزوير سيحدث بطريقة أخرى،،،

التزوير التقليدي يقوم أساسًا على تغيير صناديق الاقتراع، وإدلاء الموتى بأصواتهم، ... الخ.

لكن هناك نوعًا آخر من التزوير يقوم على أساس

· فرض الرعب في المجتمع من التصويت لجهة معينة تحت طائلة الملاحقات الأمنية، وهذا ما يحصل عندنا في ضفة الأحرار المقهورين.

· ومن عناصره تغييب المؤهلين للترشح من غير المرغوبين في غياهب السجون، وقد ابتلينا فوق سجون الاحتلال بسجون ذوي القربى.

· وكذلك تغييب العناصر والكوادر - من أبناء التنظيم والمناصرين- الضرورية لإدارة أي عملية انتخابية، وهؤلاء عندنا إما معتقلون أو ملاحقون.

إن أي عملية انتخابات حرة ونزيهة لا يكفي لها أن لا يتم تغيير صناديق الاقتراع، بل لا بد لها من أرضية مهيئة من أجواء الحرية التي تسمح للراغبين بالتعبير عن آرائهم ومواقفهم دون خوفهم من الملاحقات الأمنية.

بالملخص أقول (وهو رأيي الشخصي كما سبق وأكدت) إن استعداد عباس لزيارة غزة بشروطه إنما هو فخ يريد منه الوصول إلى نقطة يستطيع معها إجراء انتخابات لم تتهيأ لها الظروف، تحت سياط الأجهزة الأمنية المنسقة مع الصهاينة، والوالغة في دماء أبناء الشعب، إن إنهاء الانقسام يتطلب إنهاء مسبباته من عدم القبول بنتائج انتخابات 2006، والتنسيق الأمني، والانبطاح في أحضان أعداء الأمة والشعب،.... الخ.

2011/02/05

أيها الباكي الشجاع ... صبرًا ... فالنصر قريب

أيها الباكي الشجاع ... صبرًا ... فالنصر قريب

رغم أن الرغبة راودتني عدة مرات خلال الأيام الماضية للتعليق على ما يجري في مصر الإسلام والعروبة إلا أنني رجحت - لعدة أسباب - الاكتفاء بالمتابعة المستمرة لما يجري، مع الدعاء الدائم لأن يحفظ الله شباب مصر وشعب مصر ويديل الظالمين ومن معهم، غير أني قررت أن أكتب هذه الكلمات للتعبير عن الشعور الذي انتابني هذا الصباح وأنا أستمع إلى الدكتور الطبيب خالد حنفي، وهو مدير لمستشفى ميداني بميدان التحرير، ميدان تحرير الأمة من عقدة الخوف والاضطهاد.

كان د. خالد يروي للجزيرة مشاهداته، والعبرات تخنقه، ثم يتماسك، وبعدها يغيب كلامه وراء صوت بكائه.

سمعته يروي: أن عددًا من المصابين من أشبال مصر الكنانة الجرحى على يد بلطجية النظام كانوا يرفضون نقلهم للعلاج بسيارات الإسعاف لئلا يغادروا ميدان العزة والصمود.

وسمعته يقول: أنهم في المستشفى الميداني عالجوا أحد أبطال مصر أربع مرات، وكلما كان يعالج كان يعود لمنقطة المواجهات ليدافع عن عزة الأمة كلها – وليس مصر وحدها - وكرامتها وحريتها، فيصاب ثم يعود فيعالج، ويعود لميدان الدفاع عن الأمة.

وسمعته يعلن أنه ومعه 35 طبيبًا و60 مسعفًا و100 مساعد طبي لن يتركوا هؤلاء الشباب الذين رفعوا رأس مصر.

أخي د. خالد:

رغم أنني لا أعرفك، ولم أسمع بك قبل هذا الصباح إلا أنني أقولها لك باسمي واسم الكثيرين من شعب فلسطين ومن أمة الإسلام: إنا نحبك في الله، بل ونحب كل هؤلاء الأبطال الذين رفعوا رأس الأمة كلها إلى عنان السماء.

أخي الحبيب، حفظك الله أنت ومن حولك:

أتدري ما قراءتي لدموعك التي هزت مشاعرنا، ولصوت بكائك الذي استدعى دموعنا؟؟

أنا أعلم أن البعض قد يظن هذا البكاء ضعفًا، ويخجل منه، فقد تربى الكثيرون منا على فكرة أن البكاء للنساء، لأنهن ضعيفات، وأن الرجال لا يبكون، ولكن هؤلاء قوم ما عرفوا ولا ذاقوا، ولو عرفوا وذاقوا لعلموا أنه لا يبكي إلا من كان رقيق النفس، حيَّ الشعور، رحيم القلب، ومن كان كذلك فهو الذي يملك مؤهلات الحب، والمحب هو أكثر من يستطيع أن يضحي لأجل من يحب، ولا يقدر على التضحية إلا الشجعان.

البكاء ضعفٌ من ناحية، ورقَّةٌ من ناحية، ولكنه قوةٌ من ناحية أخرى، انظر إلى المرأة التي يستخدمونها رمزًا للضعف والرقة، تبكي لأقل ألمٍ يصيب طفلها، ولكنه إذا تعرض للخطر انقلبت إلى لبؤة ضارية تدافع عنه ولو بروحها.

استشهد حمزة بن عبد المطلب، فبكى سيدي وحبيب قلبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وانسكبت دموعه الغالية، ومات إبراهيم ابن سيدنا رسول الله صلوات ربي عليه، فبكى – بأبي هو وأمي - ، وزار عليه صلوات الله وسلامه قبر أمه، فجلس على شفير قبرها وبكى، وبكى معه المسلمون فما رئي بكاء أكثر من يومئذ، ولم يكن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ضعيفًا، بل كان سيد الشجعان.

الشجاع الرحيم – مثلك أخي د. خالد حنفي – يرى مصائب الأمة، يرى جراحاتها النازفة، فيرتجف قلبه، وتدمع عينه، بل قد ينشج نشيج الثكلى، ويعلو صوته بالبكاء – كما فعلتَ أنت -، وبعد ذلك ينقلب هذا البكاء غضبًا على الأعداء والطغاة، ونارًا تحرقهم.

وعن نفسي أحدثك: لقد بكيتُ في حياتي مراتٍ لا يمكن إحصاؤها، ومع ذلك كنت أجد نفسي بعد أن أبكي: أقوى، وأشدَّ عزيمة، وأقوى شكيمة، وأكثر إصرارًا على السير في طريق المصاعب الشاق.

نعم، إنها الحقيقة، لا يبكي بكاء الرجال إلا الرجال الشجعان، مثلك أخي د. خالد حنفي، وليس أي رجال.

فتحياتي لك أيها الباكي الشجاع.

2011/01/08

جنازة القواسمي والتغطية المنحازة لقناة الجزيرة

عدت على المنزل أمس عند صلاة العشاء بعد يوم حافل، شاركت فيه أنا والإخوة النواب الإسلاميون في محافظة الخليل يرأسنا د. عزيز الدويك في جنازة الشهيد عمر سليم القواسمي الذي سقط على يد الغدر والخيانة خلال اعتقال المجاهد وائل البيطار، وكان واضحًا من مجريات الأحداث أن المقصود كان اغتيال البيطار، ولكن إرادة الله شاءت أن يكتب الشهادة للحاج عمر، ابن الـ 66 عامًا، وقمنا بعدها بزيارة تضامنية لبيوت الإخوة المجاهدين الذين أفرجت عنهم الأجهزة الأمنية واعتقلتهم بعدها بأقل من 12 ساعة سلطات الاحتلال، وقد حصلنا خلال هذه الزيارة على جرعة عالية من المعنويات، من آباء وأمهات هؤلاء المجاهدين الأبطال.

المهم، جلست لاستماع نشرة الأخبار، وكالعادة فمصدرنا الأول الذي نثق عادة بأخباره وحياديتها هو قناة الجزيرة، ولكنني – وللأسف – أصبت بحالة من الإحباط وارتفاع الضغط بسبب المستوى الذي وصل إليه انحياز مراسلي هذه القناة وانعدام حياديتهم، وهم يعملون في قناة شعارها (الرأي والرأي الآخر).

التقرير الذي أعدته شيرين أبو عاقلة حول جنازة الشهيد كان مضللاً بشكل كبير، وكان يحمل إيحاءات مقصودة، أظهرت الجنازة وكأن المشاركين فيها هم عناصر فتح، وكأن الشهيد محسوب على فتح.

لا أقول إن عناصر فتح لم يكونوا موجودين، فالنسيج الاجتماعي عندنا متشابك، والفتحاوي والحمساوي يعيشان في بيت واحد في كثير من الحالات، ولكن انظروا ما الذي حضر في التقرير المذكور وما الذي غاب:

ظهر في التقرير بعض الأشبال يحملون رايات فتح الصفراء، لعل عددهم كان لا يتجاوز العشرين من بين عدة آلاف من المشاركين، ثم ركز التقرير على (بوستر) للشهيد تنعاه فيه حركة فتح، وبالطبع فراياتنا الخضراء، رايات التوحيد كانت غائبة بالإكراه، كما يعرف الجميع بسبب ما نعانيه في الضفة، أما إمكانية أن يكون هناك (بوستر) للشهيد تنعاه فيه حركة حماس فهو أمر يعدّ قريبًا من المستحيل في وقت تشدد فيه الرقابة على كل المطابع لئلا تقع في هذه الجريمة النكراء، جريمة طباعة شيء لحماس.

ليس المنتقد إظهار صورة الرايات الصفراء والتركيز عليها، ولا إبراز البوستر الفتحاوي، فهي أشياء كانت حاضرة في الجنازة، ولكن الغريب من مراسلي قناة مستقلة غير محسوبة على فريق دون فريق أن لا يظهروا إلا جانبًا واحدًا مما كان في الجنازة في تقريرهم الإخباري.

منذ أن خرجت الجنازة من باب المسجد، كانت هتافات آلاف الشباب وهم يعلون أصواتهم ( الله غايتنا، والرسول قدوتنا ....)، وهم يهتفون لكتائب القسام ولحماس، تملأ الآفاق، وكان مراسلو وكالات الأنباء متواجدين وسامعين، وبالمناسبة فلم أسمع خلال الجنازة كلها هتافًا لغير حماس سوى مرة واحدة، هتف فيها بعضهم قائلاً (الله أكبر عاصفة)، والذين رددوا وراءه هم شباب حماس.

ثم مع أن التقرير احتوى مقابلة – مختصرة جدًّا مع د. عزيز الدويك، مع أن أبا هشام - حفظه الله – كان حريصًا على أن يكون كلامه وحدويًا، ليفوت الفرصة على الاحتلال الذي أراد باعتقال الشباب – أسأل الله لهم ولجميع الأحباب الفرج – أن يكون شرخًا آخر في النسيج الوطني الفلسطيني، فلم يهاجم في كلمته السلطة، وإنما حمّل كل المسؤولية للاحتلال.
وكذلك فلم يظهر في الصور التي حواها التقرير عن الجنازة أي حضور للنواب الإسلاميين، وقيادات الحركة الإسلامية، مع أن حضورهم كان واضحًا لكل من تواجد في التشييع، لتبدو الصورة وكأنهم غائبون عن المشاركة.

نحن لا نطالب مراسلي الجزيرة بإبراز السلبيات، كقيام عناصر الأمن (الفلسطيني ؟؟!!) باعتقال اثنين من الشباب لأن أحدهم هتف قائلاً (من الخليل تحية لإسماعيل هنية)، ولا تواجد عناصر الأمن المدججين بأسلحتهم وخوذاتهم داخل مسجد الشيخ علي البكّاء، وكأنهم في ساحة حرب، ولكننا نطالبهم عندما ينقلون صورة حدث أن يكونوا حياديين، فينقلوا الصورة من جميع زواياها.

إن هذه الممارسات المنحازة إعلاميًا قد تنطلي على البعيدين عن المشهد الفلسطيني، ولكن ثقي يا قناة الجزيرة أن آلاف الناس الذين شاركوا في الجنازة، سيقومون بإيضاح الصورة لعشرات الآلاف الآخرين من الذين لم يشاركوا، وسيكون المتضرر في الشارع الفلسطيني هو مصداقيتكم أنتم.

اللهم قد قلَّ الناصر، وعزَّ الظالم، وتكالبت علينا الأمم، ولا ملجأ لنا إلا إليك، ومن كنت معه يا مولانا فلا يضيره أن لا يكون معه سواك، فلا تكِلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك، أنت حسبنا، ولا حول ولا قوة إلا بك.

2010/11/13

وطنوا أنفسكم ..... المصالحة بعيدة

وطنوا أنفسكم ..... المصالحة بعيدة
كنت مترددًا قبل أن أنشر هذا المقال، لأن حديثي عن توقعاتي للمصالحة قد يفهمه البعض على أننا لا نريدها، بينما الحقيقة التي لا شك فيها أن كل أبناء الحركة الإسلامية يرغبون في تحقيق المصالحة، ويريدون ذلك بشدة، لأنهم يدركون أن الوحدة من عوامل القوة اللازمة لتحقيق أهدافنا ورؤانا، ولكننا نريدها مصالحة مبنية على أسس سليمة كي لا ندخل في دوامات الماضي، ونعود مرة أخرى من نقطة الصفر.

إن رؤيتنا للمصالحة وأهميتها تنطلق من مبدأ وعقيدة، وليست تكتيكاً مرحليًّا كما يتوهم البعض، فنحن نؤمن أن أجواء الحرية والانفتاح هي التي تحقق مصالح الشعب الفلسطيني وقضيته، وأن المستفيد الأول من الانقسام الحاصل هو الاحتلال وأذنابه، ورؤيتنا للمصالحة تأتي في سياق رؤيتنا لضرورة أن تتوحد كل جهود أبناء هذا الشعب ومن ورائهم جهود أمتهم الإسلامية لتحرير فلسطين كل فلسطين.

أقول هذا قبل البدء في الموضوع لئلا يتقوَّل البعض علينا ويتهمنا بأننا لا نريد المصالحة، بناء على إساءة فهم لما سيأتي من كلام.

والموضوع الذي سأتحدث فيه ليس جديدًا، فالحديث عن المصالحة يظهر ويخبو كل فترة منذ أن حدث ذلك الانقسام المشؤوم الذي فرض علينا فرضًا، وفي مرات عديدة عندما كان يطرح ملف المصالحة كنت وعددًا من إخواني خلف القضبان في سجون الاحتلال، وكان لدينا رأيان في التعاطي مع هذا الحدث:
أحدهما كان يرى أننا يجب أن ننشر الأمل في نفوس قواعدنا، وذلك حتى لا يصابوا بالإحباط.
والآخر كان أننا يجب أن نكون واضحين وموضوعيين في تحليلنا، حتى لو أدى ذلك إلى صدمة بين أوساط الشباب.

وقد كنت من أنصار الرأي الثاني، ولا أذيع سرًّا إن قلت أننا كنا الأقلية.

نعود للموضوع، منذ سنوات كلما كان يطرح موضوع المصالحة، ويتم تناقل الأخبار، كان يسود جوٌّ من التفاؤل بين أبناء شعبنا عمومًا، وبين أبناء الحركة الإسلامية على وجه الخصوص، ولكن هل هذا التفاؤل مبني على أساس سليم، أم أنه يتم استنادًا إلى الموروث الشعبي "تفاءلوا بالخير تجدوه".

بالنسبة لي شخصيًّا أعتبر نفسي إنسانًا متفائلاً، وذلك نابع من إيماني بأن الله سيحقق لنا وعده، ومن فهمي لطبيعة الصراع بين الحق والباطل، وأنه يمر بفترات التمحيص والشدة، ثم لا بد أن تكون النهاية مشرقة، ولكني لم أكن متفائلاً بقرب تحقيق المصالحة عندما كان يطرح موضوعها في الفترات السابقة، وذلك بناءً على معطيات موضوعية كنت أراها، وللأسف فإنني لا أزال أراها هذه الأيام، والتصريحات التي تصدر عن عباس والناطقين باسم السلطة وفتح هذه الأيام تؤكد للأسف ترجيح عدم التفاؤل.

وبدون الخوض الكثير في التفاصيل، لأن الكلام فيها يطول، فأنا أرى أن القوى المتنفذة في فتح وفي سلطة رام الله لا تريد المصالحة، وذلك لعدة أسباب منها:
1. أن المصالحة تتعارض مع مصالح هذه القوى، فالمصالحة تتطلب أن تكون هناك شراكة في العمل السياسي، وهم لا يريدون الشراكة لأنهم يعتبرون السلطة مغنمًا يخافون أن يقاسمهم الآخرون فيه، فنظرتهم للسلطة أنها مكان للكسب على شتى المستويات وليست موقعًا للجهاد والنضال لتحصيل الحقوق قد يتطلب من الموجود فيه دفع ثمن مواقفه، وهم تعودوا على القبض لا على الدفع.
2. المصالحة تستوجب إعادة بناء الأجهزة الأمنية على عقيدة غير عقيدة التنسيق مع العدو، وتنفيذ أوامره، وهؤلاء بلغ من انحدارهم أنهم أصبحوا مؤمنين بتعاونهم مع العدو، ويفتخرون بذلك.
3. المصالحة ستؤدي ولا بدّ لفقدان عدد من المتنفذين مواقعهم إما لفسادهم أو خيانتهم أو جرائمهم بحق أبناء شعبهم، وهؤلاء هم الذين يحكمون ويرسمون هذه الأيام، وهم الذين بأيديهم الحل والربط.
4. المصالحة تحتاج أحد أمرين: رجالاً يتمتعون بالجرأة لقول "لا" لأمريكا وإسرائيل، وهؤلاء لم يبق منهم في الصف المقابل أحد، فالباقون إما جبناء أو مستفيدون من هذا الموقف الانبطاحي، أو أن تتهيأ لها أجواء دولية، تجعل القوى المتنفذة والمتحكمة في قرار السلطة وفتح تسمح لها بالمضي في طريق المصالحة.

لا أريد أن أخوض أكثر في الأسباب، ولكنني مع ذلك مؤمن أن كل هذه العوامل قابلة للتغيير، وذلك لأنه لا يزال يوجد في أبناء فتح – هكذا أظن – قلة ليست راضية عما يحصل، وهذه القلة ليس بيدها الأمر والنهي هذه الأيام، ولا بد أن يتحركوا ليستعيدوا ما سُرق منهم من تاريخ حركتهم، وعندما يحصل ذلك، وينضج هؤلاء، ويصبحون مستعدين لتولي زمام الأمور، يمكن أن نصل وإياهم إلى مصالحة مستندة إلى الحفاظ على الثوابت وعدم التفريط فيها، وحتى يحدث ذلك فلا أرى أنه يمكن أن تتحقق المصالحة التي نريد.

لماذا أقول ذلك مع علمي أن البعض سيتهمني بأنني أنشر التشاؤم بين أوساط شبابنا وقواعدنا؟؟

أقول ذلك لإيماني أن شبابنا واعون، وأن من حقهم علينا أن نصارحهم، ولأن تعاملنا مع الواقع الذي نعيش ناتج عن فهمنا له وتصورنا لحقيقته، فإذا كنا نتوقع المصالحة بين حين وآخر، سنبقى نحلم بها ونبقى قاعدين في بيوتنا انتظارًا لهذا القادم الذي لن يجيء قريبًا.

أما إذا أدركنا أن الواقع الذي نعيشه هو ما هو عليه، وأنه لا يظهر في الأفق القريب، ولاحظوا أنني أتحدث عن الفترة القريبة ولا أدعوا للتشاؤم الكلي، أقول لا يظهر أمل واضح في تغير هذا الواقع الذي نحياه في الضفة، فعلينا أن نوطن أنفسنا على التعامل مع هذا الواقع كما هو، وأن لا نستسلم له، بل علينا أن نبدع كما سبق وأبدعنا في مراحل سابقة حتى نحافظ على وجودنا، وعلى تواصلنا مع بعضنا، وعلى تمسكنا بدعوتنا.

قد يسأل البعض وما الذي ينبغي علينا فعله؟؟

قد لا أملك الجواب، وقد لا يملكه غيري، ولكني أدرك أن بعض المراحل تحتاج إلى الصبر وإلى مزيد من الصبر، حتى تتغير الظروف، ولنستحضر كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر وهم يُعَذَّبون فيقول لهم: صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة، ولم يكن يملك - بأبي هو وأمي - أن ينجدهم بشيء إلا بهذه الكلمات.

فيا أحبابنا ويا إخواننا...
هذا هو الواقع، فلنفهمه ولنتعامل معه كما هو، ولا نجلس في بيوتنا ننتظر الحلول من وراء الغيب، فإن الله سبحانه قد كلفنا أن نسير في هذه الدنيا وفق قانون الأسباب، ونعتمد على رب الأسباب، ولندرك أن مشوارنا طويل، ولكن الذين يصبرون إلى آخر الطريق هم الذين سيفوزون بالدرجات العلى.
أسال الله أن يرزقني وإياكم الثبات، وأن يبدل هذا الحال الذي نحن فيه.

2010/10/24

مشعل ودولة الـ67 وحزب التحرير

عندما كتبت مقالتي السابقة والتي عنونتها بعنوان"رسالة للناطق باسم حزب التحرير" كنت مدركاً أنني لن استطيع تغيير منهج التفكير عند الحزب، ولكنني قلت لنفسي فلأُعذر أمام الله، ولم أرغب في الرد على كثير من التساؤلات التي طرحت على صفحات شبكة فلسطين للحوار وعلى منتدى حزب التحرير وعلى مدونتي الشخصية، لأنني لم أرغب في أن ننشغل بجدلٍ عقيم لن يؤدي إلى نتيجة، وكنت أنوي أن لا أعود للحديث في الموضوع ذاته.
ولذلك عندما قرأت الخبر الذي نشرته وسائل الإعلام عن تصريحات الأخ خالد مشعل لصحيفة "نيوزويك"، والذي جاء فيه "أكد خالد مشعل مدير المكتب السياسي لحركة حماس، أنه على استعداد لتقبل أي اتفاق يتم التوصل إليه مع الإسرائيليين بشرط موافقة أغلبية الفلسطينيين عليه- وفق ما جاء في صحيفة "نيوزويك" الأمريكية... " الخ. عندما قرأت هذا الخبر أدركت فورًا أن الإخوة في حزب التحرير سيتلقفونه ويؤولون الكلام ويحملونه ما لا يحتمل، وراودتني نفسي أن أكتب توضيحًا لذلك، غير أني تذكرت ما سبق وعزمت عليه من عدم الخوض في الموضوع هربًا من الجدل المذموم، وخصوصًا أن جراحنا ما زالت تثعب دمًا، وشبابنا ما زالوا تحت سياط الظالمين من كل مكان، والحرب ما زالت معلنة علينا من كل الجهات.
غير أني غيرت رأيي، وأرجو أن أستطيع جعلها المرة الأخيرة التي نخوض فيها مثل هذه النقاشات، وسبب ذلك أنه وصلتني رسالة في بريدي الالكتروني من أخي الحبيب د. ماهر الجعبري الناطق الإعلامي باسم حزب التحرير، والذي لن يغير ما بقلبي نحوه خلافنا، لأنني مقتنع أنه مخلص وإن كان مخطئًا في طريقه، وأدعو له بالهداية، يقول لي فيها:" السلام عليكم أخي الغالي عيسى - أبا خيري- ... لعلك لا تطلع على مثل هذه التصريحات:[ There is a position and program that all Palestinians share. To accept a Palestinian state on the 1967 borders with Jerusalem as the capital. With the right of return. And this state would have real sovereignty on the land and on the borders. And with no settlements. ] هذه رؤية واقعية حول قبول دولة في حدود 67 ولم تعد هنالك حاجة للحديث حول المرحلية، والله إن القضية خطيرة، كتبت مقالا لعلك تلاحظه غدا حول قبول حل الدولتين من قبل القيادات الإسلامية، آمل أن نتابع السياسة بعقولنا قبل قلوبنا، مع خالص مودتي.... أخوك: ماهر".
وطالعت صباح هذا اليوم موقع الحزب لأقرأ مقال د. ماهر فلم أجد المقال، غير أني وجدتهم قد كتبوا تعليقًا على الخبر المشار إليه، كان مما جاء فيه:" في تصريح خطير يدل على اختلال المرجعية، وتحكّم العقلية المضبوعة بأوهام الغرب وطريقته في حل المشاكل والبعد عن تحكيم شرع الله، واللجوء إلى تحكيم وتشريع البشر على الطريقة الديمقراطية الحرام، والتي تجعل من البشر آلهة من دون الله عبر جعل التشريع والسيادة للشعب قال مشعل..."، ثم ختموا التعليق بقولهم:" وأننا نتوجه مرة أخرى لإخواننا في حركة حماس وندعوهم لمحاسبة قادتهم والأخذ على أيديهم للكف عن هذا الترويض الحاصل والرامي إلى قبول التنازل عن أرض فلسطين ومقدسات المسلمين، فالإسلام أوضح من أن يغطى بغربال التصريحات الإعلامية" اهـ.
ولأنني لا أقبل لهذا التدليس أن ينطلي علينا، وأخشى أن ينخدع به بعض الناس، فقد عدت وعزمت على الكتابة حول هذا الموضوع، ومع أني أدرك ما وراء تصريحات الأخ خالد مشعل، وأثق بأنها لا تخالف أحكام الشرع وفق اجتهادنا، إلا أنني عدت للنص الأصلي للمقابلة – باللغة الإنجليزية – وتمعنت فيه، لأجد هل هناك مبرر لإخواننا في الحزب ليستمروا في موقفهم المسبق هذا، أم أنهم يترصدون الكلام ليقعوا على أخطاء فيه، فما الذي وجدته:
وجدت أن مشعل قال في جوابه على السؤال الأول في المقابلة:" من البداية ليس هناك مستقبل ولا أفق للمفاوضات، المفاوض الفلسطيني يذهب للمفاوضات بدون أية أوراق قوية للضغط على إسرائيل، ما الذي سيجبر نتنياهو على إعطاء المفاوض الفلسطيني ما يطلبه؟؟"
ثم عندما سئل عن موقف الحركة من حل الدولتين أجاب بقوله:"يمكنني الإجابة على سؤالك النظري، ولكن هذا أصلاً لا يتوقع أن يحدث. هناك موقف وبرنامج يشترك فيه جميع الفلسطينيين، لقبول إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 تكون القدس عاصمتها، مع حق العودة، وتكون لهذه الدولة السيادة الحقيقية على الأرض وعلى الحدود، وبدون وجود أي مستوطنات"، ولاحظوا معي أيها الإخوة أن الجملة الأولى والتي اعتبرت السؤال نظريًا وأن هذا الاتفاق افتراضي بحت لا أساس له، قد غابت عن نظر الإخوة من الحزب الذين كتبوا عن هذا الموضوع؟؟!!!
ولاحظوا معي أيضًا أن مشعل أعلن أن حماس ستقبل إقامة دولة على حدود سنة 67 بالشروط المذكورة، ولم يقل أن ذلك يعني الاعتراف بدولة إسرائيلية على بقية أرض فلسطين التاريخية، فهو قد ذكر العامل المشترك بين الفلسطينيين، أما قبول حل "الدولتين" فأين هو في كلامه؟؟ أو في كلام أيٍّ من قادة الحركة؟؟؟
والإخوة في الحزب يقولون في تعليقهم:" فهل عمي على مشعل السبيل لتحرير الأرض المقدسة؟؟؟ وأن قضية فلسطين ليست مشكلة تحل بالتفاوض أو الانسحاب من المفاوضات؟؟" فأقول لكم: يا من لم تقرؤوا المقابلة، وإنما أخذتم معلوماتكم مما فهمه محررو نيوزويك منها، وهذا من باب إحسان الظن بكم، وإلا فيمكنني أن أفترض أنكم قرأتموها و"طنّشتم" ما لا يوافق رأيكم فيه، ولكني لن أفترض ذلك من باب إحسان الظن الذي أدعو إليه، أقول لكم: اسمعوا ما قاله مشعل في المقابلة نفسها:
قال" خيار المقاومة هو الخيار الحقيقي، نعم نحن مع الدبلوماسية والسياسة، ولكن ينبغي أن يكون لدينا مقاومة، فالأساس هو المقاومة، ووجود بطاقات وأدوات الضغط على الإسرائيليين".
وقال:"يوجد احتلال وهذا يتطلب مقاومة، متى تتوقف المقاومة؟ عند الانتهاء من الاحتلال".
وقال:"الاحتلال غير قانوني، ولذلك فالمقاومة قانونية".
أنا لا أرى في كلامه هذا ما يدل على أن رأي حماس هو أن القضية تحل بالمفاوضات أو الانسحاب منها؟؟!!
وأريد أن أذكر إخواني من حزب التحرير وغيره أنه في موضع الجدل والحوار يجوز للمجادل أن يعلن قبوله بالمستحيل، إفحامًا لخصمه، ولنتذكر قوله تعالى"قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ. سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ"[الزخرف81-82]، فقد قال الإمام الطبري شيخ المفسرين في تفسيره:"معنى الكلام: قل يا محمد لمشركي قومك ... إن كان للرحمن ولد فأنا أول عابديه بذلك منكم، ولكنه لا ولد له،... وإذا وجه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه لم يكن على وجه الشك، ولكن على وجه الإلطاف من الكلام وحسن الخطاب، كما قال جل ثناؤه:" قُلِ اللَّهُ، وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ"، وقد علم أن الحق معه، وأن مخالفيه في الضلال المبين"، وقال القرطبي في تفسيره:"المعنى قل يا محمد: إن ثبت لله ولد فأنا أول من يعبد ولده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد، وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل فأنا أول من يعتقده، وهذا مبالغة في الاستبعاد، أي لا سبيل إلى اعتقاده".
ونحن نقول للمفاوضين: إن استطعتم أن تحصلوا على اتفاق يحقق دولة كاملة السيادة وعاصمتها القدس ويضمن عودة اللاجئين كلهم بملايينهم الستة إلى منازلهم ويوافق عليه الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات فنحن لن نعارض ذلك"، نقوله كما في الآية مبالغة في الاستبعاد كما في الآية، فقد تعلمنا أن نتبع نهج القرآن في المحاججة لا نهج أهل الجدل.
وفي النهاية اسأل الله الهداية لجميع العاملين للإسلام، وأقول لإخواننا الأحباب في حزب التحرير: لا نريد لكم والسكاكين تشحذ لذبحنا كل يوم، أن تظهروا في صف الأعداء، ولا زالت عناويننا معكم لتستفسروا عن ما تشاؤون، ونحن لن نرفض نصائحكم، ولكننا نريدها أن تكون منضبطة بأدب النصيحة الذي أدبنا به الإسلام، "عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ".

2010/10/11

قياداتنا ورموزنا بين إساءة الظن وإحسانه

رسالة لأخي وصديقي د. ماهر الجعبري


الدكتور ماهر الجعبري الناطق الإعلامي باسم حزب التحرير بالنسبة لي أخ عزيز، فهو صديقي من أيام الطفولة، كما أنه جاري، وقد كان من السهل عليّ أن أحاوره فيما كتب ونحن خارجان من الصلاة في مسجد نمرة الذي نلتقي فيه كل يوم عدة مرات، ولكن وبما أن كلامه هذا منشور للعامة، فلا بد من أن يكون الرد عليه كذلك، وكلي ثقة أن خلافنا في الرأي، وهو خلاف منذ أمد بعيد، لن يفسد قضية الود بيننا كما لم يفسدها في السنوات الغابرة.
كتب أخي أبو ثائر مقالاً بعنوان "القيادات والرموز بين المحاسبة والتقديس"، وفي مقاله ذاك اتهم أبناء الحركة الإسلامية بأنهم يعانون من "حالة من التقديس أكثر فظاعة من تقديس الرؤساء، لا يمكن أن تقبلها أمة منحطة في الفكر فكيف تقبلها أمة إسلامية راقية؟"، وهو يعزو ذلك إلى أن "معايير الثقة بالقيادة وبحكمتها قد جعلت تلك القيادة فوق الأفكار وفوق الأمة وفوق المحاسبة".
مشكلة إخواننا في حزب التحرير هي أنهم يُعملون سوء الظن بنا كحركة إسلامية في المقام الأول، مع العلم أن سوء الظن هذا أمر منهيٌّ عنه شرعًا، فالله سبحانه وتعالى يقول:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ " [الحجرات12]، والرسول  يقول في الحديث المتفق عليه "إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث"، والسلف علمونا أن نتعامل مع بعضنا بحيث لا نبادر لإساءة الظن قبل البحث والتنقيب، فقد قال جعفر الصادق رحمه الله:" إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرا واحدا إلى سبعين عذرا، فإن أصبته، وإلا، قل لعل له عذرا لا أعرفه"[رواه البيهقي]، وروى البيهقي كذلك عن محمد بن سيرين أنه قال:"إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا، فإن لم تجد له عذرا، فقل: له عذر".
وسوء الظن في حالتنا هذه هو أن يكون الكلام محتملاً لأكثر من وجه، فيحمله إخواننا غفر الله لهم على أسوأ وجوهه، ويطعنون في نياتنا، ومع ذلك فنحن لا نريد منكم يا إخواننا أن تعاملونا بحسن الظن، لأننا لم نتعود ذلك منكم للأسف، وإنما نريدكم أن تحاكمونا إلى القواعد الشرعية التي تزعمون التزامكم بها، وأريدك يا أخي وصديقي أبا ثائر أن ترجع إلى كتب أصول الفقه والتي كتب فيها علماؤنا عن البيان وكيفية فهم كلام المتكلمين، وكيف أنه عندما يكون هناك كلام مجمل، والمجمل عندهم اللفظ الصالح لأحد معنيين لا يتعين أحدهما لا بوضع في اللغة ولا بعرفٍ في الاستعمال، فإنهم يعلموننا اللجوء إلى القرائن لفهمه، وكيف أنهم ذكروا أنه عندما يكون هناك لفظ مشترك فلا بد من الاجتهاد لتعيين المراد منه.
ومن هنا أقول لك ردًّا على سؤالك:"هل يمكن لأنصار حكومة حماس أن يسألوا رئيس حكومتهم في غزة ما معنى "السلام العادل" الذي يتحدث عنه في نغمة تزداد تصاعدا ؟"
نحن لسنا بحاجة إلى أن نسأل رئيس حكومتنا في غزة عن معنى السلام العادل، ذلك أن هذا المصطلح له معنيان، أحدهما يستخدمه الأمريكان والصهاينة وأتباعهم، وهم يعنون به سلب حقوقنا واستسلامنا لهم، والآخر هو الذي يفهمه المسلم بداهة من أصول دينه عندما يُذكر العدل، وليس للسلام العادل في مفهومنا إلا أنه السلام الذي يعيد لكل ذي حق حقه، وحقوقنا معلومة معلنة لم نتنازل يومًا عنها، ولم نُخفِها يومًا، فهل أنت مع هذا السلام العادل الذي ندعو إليه أم أنك لست معه؟!!
أما عن سؤالك ولمزك في كلام الأخ خالد مشعل حول أن المفاوضات تحتاج إلى أوراق قوة؟ وكأنك تريد أن توحي أننا نلهث وراء المفاوضات ونبحث عن مكان فيها، فأقول لك: إن اعتراضنا ليس على مبدأ المفاوضات كمبدأ، لأن المفاوضات بمعناها الدارج وهو أنها "محادثات سياسية تتم بين طرفين متنازعين من أجل تسوية سلمية للقضية المتنازع عليها، ويعمل كل طرف على الحصول على تنازلات من الطرف الآخر"، ليست مستنكرة في الشرع، فقد فاوض الرسول  أعداءه في عمرة الحديبية، ووصلت مفاوضاته معهم إلى اتفاق، ولكن المشكلة في المفاوضات التي نعترض عليها تتركز في أمرين:
أولهما: أن المفاوض في رأينا يجب أن يكون متمسكاً بكل الثوابت التي هي ملك للأمة وليست ملكاً له ولا لفريقه، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن بذهب إلى المفاوضات وهو ينوي التنازل عن أي شيء منها.
والثاني: أن المفاوض لا يستطيع تحصيل هذه الثوابت بدون أوراق قوة بين يديه يستطيع بها إجبار خصمه على التنازل.
ومشكلة المفاوض الفلسطيني هذه الأيام هي أنه فاقد للأمرين معًا، فهو يذهب إلى المفاوضات وقد أعلن نيته التنازل عن حق الأمة في فلسطين التاريخية، وليس بين يديه ما يُمَكِّنه من تحصيل أدنى شيء، وليس لديه بدائل يلجأ إليها إن رفض الطرف الآخر إعطاءه الحق الذي يطالب به.
نعم، لو كانت الظروف مختلفة عن ما نحن فيه، فإننا سنوافق أن نذهب إلى المفاوضات، لنعرض على المحتل أن يقوم بترتيبات تضمن انسحابه من كل أرضنا المحتلة، وهي من البحر إلى النهر، ونفاوضه على ترتيبات انسحابه، وتوابع ذلك، ولكن ذلك غير متوفر في الظروف التي نحن فيها من تشرذم الأمة وخيانة حكامها وتكالب أعدائها عليها.
وأريد أن أختم معك أخي أبا ثائر بتذكيرك بموقف من سيرة الحبيب المصطفى  نتعلم منه كيف يتم فهم الكلام الصادر من شخص ما، ففي الحديث الذي رواه البخاري وغيره قال رسول الله  "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، وهي عبارة كان يستخدمها أهل الجاهلية ويعنون بها معناها الظاهر، ولكن لما كان صحابة الرسول  قد علموا أنه لا يمكن أن يقول كلامًا يناقض القواعد الشرعية التي علَّمهم إياها، وإن إعمال النص على ظاهره يخالف هذه القواعد، لم يعترضوا بل استفسروا عن الكيفية التي يصح الكلام بها شرعًا فسأله أحدهم :"رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟" فجاءه البيان من المصطفى  :"تحجزه، أو تمنعه، من الظلم، فإن ذلك نصره".
أتمنى عليك أخي الحبيب أبا ثائر وعلى كل إخواننا في حزب التحرير أن تتعاملوا معنا بهذه الطريقة الشرعية، وهي أن تنظروا في كلام المتحدثين منا والناطقين باسمنا وفق موازين الشرع ومصطلحاته، لأننا أعلنا ونعلن وسنبقى نعلن أن مرجعيتنا الوحيدة هي الإسلام، وأننا بُرَءَاءُ من كل ما يخالف الإسلام، فإن استبهم عليكم شيء ولم تتضح لكم حقيقته فاسألونا فلسنا بعيدين عنكم، ولا تحاكمونا إلى مصطلحات غيرنا ولا إلى ظنونكم بنا، ولنتعامل بالقاعدة الذهبية التي ذكرها العلامة الشيخ رشيد رضا رحمه الله في قوله" نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".
أسأل الله أن يريني وإياك الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه ويُريَنا الباطلَ باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
أخوك م. عيسى الجعبري
وزير الحكم المحلي الأسبق

2010/10/09

مشاعر تجاه الشهداء

عندما أسمع عبارات التهنئة باستشهاد أحد إخواني المجاهدين ينتابني شعور بانقباض القلب، يكاد يطبق على صدري، ولا أدري أهذا شعوري وحدي أم يشاركني فيه آخرون؟؟
أنا أعلم أن ما للشهيد عند ربه خير له من هذه الدنيا بما لا يقاس، وأنا أعلم علم اليقين أنه قد فاز باصطفاء الله له، وقد استراح من هذه الدنيا، وأنا أعلم كذلك أن أهله سينالهم من الأجر والثواب ما يستحقون الفرح به "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ"[يونس58].
ولكن الذي يصيبني أنني أنظر إلى المسألة من زاوية أخرى، تلك هي زاوية خسارتنا نحن لهؤلاء الشهداء الأفذاذ عليهم من الله الرحمة والرضوان، فعندما يسقط أحد الشهداء الأبطال في هذا الزمن الذي يعز فيه الرجال نكون قد خسرنا خسارة فادحة، وأصابتنا مصيبة عظيمة، هكذا سماها القرآن الكريم واعتبرها مصائب، تعالوا نقرأ ما قاله تعالى عن ذلك:"وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ" [البقرة 154-157]. ألا ترون معي أن الهْ سبحانه قد سماها "مصيبة"، وسماها "سيئةً" في قوله تعالى:"وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا" [آل عمران120]، وسماها قَرحًا في قوله تعالى:"إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" [آل عمران140].
لا أريد التثبيط، معاذ الله، ولكني عندما يُستَشهد أحد إخواني المجاهدين وينال منه الأعداء أشعر بالنار تشتعل في قلبي، أشعر وكأن طعنة أصابتني أنا، فيغلبُ عليَّ حالُ الحزن والألم وغيظ القلب، فلا أستطيع التلفظ بعبارات التهنئة، فالتهنئة ينالها شخص الشهيد وأشخاص أهله الكرام، أما نحن فإننا أحوج إلى التعزية والبكاء.
عندما يُستَشهدُ أحد إخواني أستذكر موقف الرسول صلى الهص عليه وسلم عندما استشهد عمُّه حمزة وعددٌ من صحابته رضي الله عنهم جميعًا في معركة أحد وكيف وقف على قبورهم وهو ممتلئ غيظًا وحنقًا على الأعداء، وكيف دمعت عيناه الكريمتان - بأبي هو وأمي صلى الله عليه- عندما قال"ولكن حمزة لا بواكي له".
وعندما يُستَشهدُ أحد إخواني وأرى الفرحة في عيون قَتَلته وفي عيون أذنابهم يثور بركان في صدري، لا يطفئه إلا أن تحترق قلوبهم كما حرقوا قلوبنا.
نعم هنيئًا للشهيد بفوزه بما أراد، ولكن بالنسبة لنا نحن فإننا نستحق التعزية، ويجب علينا البكاء، ليس البكاء الذي ينم عن الضعف وقلة الحيلة، بل البكاء الذي تكون فيه الدموع وقودًا يدفع للسير على درب الشهداء وللانتقام ممن نال منهم، بكاء ينبع من قلب محب فقد حبيبه، وهو قلب فيه من الحب ما يدفع للتضحية لا للجبن.
وأستحضر أخيرًا قول الخنساء رضي الله عنها في أخيها صخر، ولا أشك أن إخواني من المجاهدين أحق به:
أعينيّ جودا ولا تجمُدا .......... ألا تبكيانِ لصخرِ النّدى ؟
ألا تبكيانِ الجريءَ الجميلَ ......... ألا تبكيانِ الفَتى السيّدا؟
طويلَ النّجادِ رفيعَ العمادِ ......... قد سادَ عَشيرَتَهُ أمْرَدا
إذا القوْمُ مَدّوا بأيديهِمِ ............ إلى المَجدِ، مدّ إلَيهِ يَدا
فنالَ الذي فوْقَ أيديهِمِ ....... من المجدِ ثمّ مضَى مُصْعِدا
يُكَلّفُهُ القَوْمُ ما عالهُمْ ......... وإنْ كانَ أصغرَهم موْلِدا
تَرى المجدَ يهوي إلى بيتهِ ..... يَرى افضلَ الكسبِ انْ يحمدَا
وَانَ ذكرَ المجدُ ألفيتهُ ......... تَأزّرَ بالمَجدِ ثمّ ارْتَدَى
رحم الله شهداءنا وتقبلهم عنده، وعوضنا عنهم خيرًا، وأعظم لنا الأجر في مصيبتنا بهم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

2010/09/17

بعد أكثر من 15 عامًا: سامر القواسمي يستنشق عبير الحرية


أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أمس 16/9/2010 عن الأسير سامر حمدي القواسمي من مدينة الخليل، بعد أن قضى في الأسر أكثر من 15 عامًا، تنقل فيها بين العديد من السجون، وكان آخرها سجن النقب الصحراوي.
التقيت الأخ الحبيب سامر – أبا همام - عندما كنت في سجن النقب في المرة الأخيرة، وذلك عندما انتقلنا إلى قسم ج10 في نهاية شهر 9/ 2009، وكان سامر يعمل يومها في "المردوان" – وهو الممر الموجود بين أقسام السجن، ويعمل فيه عدد من الأسرى من مختلف التنظيمات ويقومون بتوزيع الطعام الآتي من الإدارة، وتنظيف الساحات وأشياء أخرى لخدمة إخوانهم، وهو عمل مرهق بشكل كبير، ولا يستطيع الكثيرون الصمود فيه- كان سامر يعمل في المردوان وكان من الشباب المتفانين في خدمة إخوانهم والمتميزين باللطف والإخلاص.

انتقلت بعدها إلى قسم ج6 حيث كان هناك نخبة مميزة من الأسرى وعشت معهم الأيام الأربعين الأخيرة من مدة سجني تلك، وكان سامر أميرنا في ذلك القسم، وكان هناك كما هو في عمله في المردوان، متميزًا بإخلاصه وتفانيه واستيعابه لإخوانه، ولعل أكبر المشاكل التي تحتاج الحكمة في مثل ذلك الوضع كان وجود عدد كبير من الإخوة كبار السن والذين قضى بعضهم في السجن مددًا طويلة تجاوزت في بعض الأحيان الـ 18 عامًا متواصلة، والتعامل مع هؤلاء الإخوة المجاهدين الأفاضل فيه حساسية وصعوبة، فوضعهم يفرض لهم حق الاحترام والتقدير، وهم يتميزون بحساسية مفرطة فرضها عليهم العمر ومرور السنوات في الأسر، ومن عايشهم يدرك ذلك ويتفهمه، ولكن القوانين يجب أن تسير على الجميع لئلا يصبح الأمر فوضى، ولئلا يستغل بعض الشباب الصغار المنفلتين الأمر للتمرد على النظام، والمزاوجة بين تطبيق القوانين والمحافظة على مشاعر هؤلاء الإخوة الأفاضل أمر شاق يقع في غالبه على عاتق أمير القسم، وللأمانة فلم أشهد في تلك الأيام التي عشتها معهم أن أبا همام تسبب في "زعل" أي منهم، ولا أنه سمح بتجاوز القوانين، وهذا نجاح مميز في العمل الإداري داخل السجون، لا يدرك حجمه إلا من عايشه.
سامر صار حرًّا بعد أن قضى نحو "نصف عمره الحالي" وراء القضبان، فعمره الآن نحو 32 عامًا، وهو قد قضى تقريبًا "كل عمره الواعي" حتى الآن وراء القضبان فقد اعتقل وهو في سن الـ 16 تقريبًا، وأمامه مشوار طويل العمل والزواج والاستقرار.
أسأل الله أن يتقبل منه جهده وجهاده، وأن يرزقه الزوجة الطيبة الصالحة التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر وتحفظه في كل حال، وأن يرزقه الله التوفيق في أمور حياته كلها والثبات على طريق الهداية.
في الصورة المرفقة (من اليمين): م। وصفي كبها وزير الأسرى السابق، د। عزيز الدويك التشريعي، الأسير المحرر سامر القواسمي، م.عيسى الجعبري، النائب حاتم قفيشة.

2010/09/13

الإفراج عن الشيخ محمد جمال النتشة

الحمد لله رب العالمين
أنعم الله علينا بالإفراج عن الأخ الحبيب القائد "محمد جمال النتشة" أبو همام، عضو المجلس التشريعي الفلسطيني، بعد اعتقال دام أكثر من ثماني سنوات في المرة الأخيرة، وكان قبلها معتقلاً منذ سنة 1998 لدى أجهزة السلطة الفلسطينية في أريحا ورام الله.
أسأل الله تعالى أن يحفظ شيخنا وأخانا أبا همام وأن ينفع به في الدارين

بعد انحسار العاصفة

الآن وقد هدأت عاصفة الجدل حول الماراثون (المختلط) الذي نظمته جمعية تنظيم وحماية الأسرة في الخليل، ذلك الماراثون الذي استفز أهل هذه المدين...