2018/03/17

من أحاديث الآحاد، الحديث الغريب (الحلقة 6)


من أحاديث الآحاد، الحديث الغريب 
حديثنا في الحلقة الماضية كان عن نوعين من أنواع حديث الآحاد، وهما: المشهور، والعزيز، ونتحدث اليوم – بمشيئة الله تعالى – عن النوع الثالث منها، وهو (الحديث الغريب) أو (الفرد).

ما هو الحديث الغريب (الفرد)؟

عرف الإمام ابن حجر الحديث الغريب (أو الفرد) بأنه:
(ما يتفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند).
وهنا نكرر التنبيه لنقطة سبق ونبّهنا لها، وهي أن الوصف الذي يعطى للسند يُعتبر فيه أقل طبقة من طبقاته.
فلو كان لدينا حديث رواه عن الرسول ص (3) من الصحابة، ورواه عن هؤلاء الثلاثة تابعي واحد، ثم رواه (10) من تلاميذ هذا التابعي واشتهر الحديث عنهم وانتشرت روايته، فإنه يصنف تحت نوع (الغريب) أو (الفرد)؛ لأن إحدى طبقاته، وهي التي فيها التابعي، ليس فيها إلى راوٍ واحد.

هل هناك فرق في الاصطلاح بين (الغريب) و(الفرد)؟

المعتمد أن اسمي (الغريب) و(الفرد) مترادفان، وهما يشيران إلى نفس الوصف في الحديث، وهو الذي ينفرد بروايته راو واحد في إحدى طبقات السند.
ذلك أن الوصف بالغريب مشتق من الغربة بمعنى البُعد، ويقال: رجلٌ غريب؛ أي بعيدٌ عن وطنه، وبُعد الرجل عن وطنه يعني أنه منفرد عن أقاربه، ولذلك استخدموا هذين الوصفين بنفس المعنى.
ومع أن (ابن حجر) اختار القول بأن (الغريب) و(الفرد) مترادفان لغة واصطلاحًا، إلا أنه ذكر أن علماء مصطلح الحديث يغايرون بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته:
** فيطلقون وصف (الفرد) – غالبًا – على الغريب أو الفرد المطلق.
** ويطلقون وصف الغريب – في الغالب – على الفرد النسبي.

ما هو (الفرد المطلق) و(الفرد النسبي)، وما الفرق بينهما؟

لفظ (الغريب) أو (الفرد) إذا أطلق حمل على الغرابة المطلقة، أو (الفرد المطلق)، وهو: ما كان التفرد فيه في أصل السند.
أي ما انفرد بروايته شخص واحد في أصل سنده.
وغالبًا ما يكون الموضع الذي يدور عليه الإسناد هو طرف السند الذي فيه الصحابي.
ويطلق لفظ الغرابة والتفرد أيضًا على (الفرد النسبي)، وهو ما حصل التفرد فيه بالنسبة إلى شخص معين، وإن كان الحديث في نفسه مشهورا.
وعلى هذا فالفرق بين الغريب المطلق والغريب النسبي هو أن أسانيد الغريب المطلق تتجمع في نقطة واحدة في السند توصل إلى المتن
ملاحظة مهمة
في تعريفه للفرد المطلق ذكر ابن حجر، وتابعه من بعده ممن نقلوا كلامه، أنه ما كان التفرد فيه في أصل السند، أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه.
ثم قال بعد ذلك: (وهو طرفه الذي فيه الصحابي).
وهذا البيان الذي أضافه هو بحكم الغالب، فإن الحاصل كثيرًا أن يروي الحديث صحابي واحد، وينقله عنه تابعي واحد، ثم ينتشر عنه الحديث.
وهناك صورة قد تكون نادرة، وهي أن يحدث التفرد في طبقة أعلى من ذلك، وذلك بأن يروي الحديث صحابيان مثلًا، ويرويه عنهما (3) من التابعين، ثم لا توجد رواية هذا الحديث إلا من راو واحد من تابعي التابعين، سمعه من التابعين الثلاثة، ورواه – وحده – عنهم، فهذا يدخل في تصنيف الفرد المطلق؛ لأن (تابع التابعي) هذا، والذي انفرد برواية الحديث، صار هو الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع إليه.


ما هي أنواع التفرد النسبي؟

ذكر العلماء عدة أنواع من التفرد النسبي، أو الغرابة النسبية، وهي التي يكون التفرد فيها ليس مطلقًا، وإنما بالنسبة لشيء معين.
ومن تلك الأنواع
** تفرد ثقة برواة الحديث
وفي مثل هذا يقولون: لم يروه ثقة إلا فلان، أو انفرد به فلان من الثقات
** تفرد راوٍ معيّن عن راوٍ معيّن
مثل حديث يرويه كثيرون من الرواة عن (عبد الله بن دينار) عن (ابن عمر)، ثم يأتي واحد من الرواة فيرويه عن (نافع) عن (ابن عمر)، فيقال في مثل هذا: تفرد به فلان عن نافع.
** تفرد أهل بلد أو أهل جهة
ذلك أن هناك من الأحاديث ما انتشر في منطقة معينة، كالحجاز أو الشام، لأن راويه وتلاميذه الذين سمعوا منه عاشوا فيها، ويحص أحيانًا أن لا تكون لهذا الحديث رواية أخرى في غير تلك المنطقة، فيكون كل الذين رووه، ولو كانوا متعددين، من أهل تلك المنطقة، فيقال في مثل هذا: (تفرد به أهل مكة)، مثلًا، أو (أهل الشام).
** تفرُّد أهل بلد، أو جهة عن أهل بلد أو جهة أخرى
وذلك بأن يكون أصل الحديث مروي عن أهل المدينة مثلًا، ثم انتقل ولم يوجد له رواية إلا عند أهل البصرة، فيقال فيه: تفرد به أهل البصرة عن أهل المدينة.

هل استخدم العلماء وصف الحديث بالغريب بغير ما استخدمه علماء المصطلح؟

كلمة الغريب في معناها اللغوي تطلق على (المنفرد)، ومن هنا اشتق علماء المصطلح مصطلح (الحديث الغريب)، ولكنها تستخدم أيضًا ويراد بها الكلام الغامض البعيد من الفهم، وهو الذي لا يتناوله الفهم إلا عن بُعد ومعاناة فكر.
ويجب أن ننتبه أن المعاني الاصطلاحية تتغير من علم لآخر، فالكلمة التي يستخدمها أهل علم معين كـ (علم مصطلح الحديث) بمعنًى اصطلاحي توافقوا عليه، قد يستخدمها أهل العلوم الأخرى بمعناها اللغوي، ومن هنا ينشأ خلط لدى القارئ غير المدقق.
وعلى هذا فقد يستخدم البعض وصف الحديث بـ (الغرابة)، ويعنون بذلك (بُعد معناه من الفهم إلا بعد التفكر والتمعن فيه)، وقد يكون من أسباب ذلك احتواؤه على كلمات مما يصنف بأنه من (غريب اللغة)، وهي الكلمات التي لم تشتهر في أوساط الناس فاعتبروها غريبة لجهلهم بمعانيها.
وهناك علم من علوم الحديث (وليس من علوم المصطلح) يسمى (علم غريب الحديث)، وقد قال عنه الإمام ابن الصلاح في مقدمته المسماة (معرفة أنواع علوم الحديث): "وهو عبارة عما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من الفهم، لقلة استعمالها"، ووصفه بأنه "فنٌّ مهمٌّ، يَقبُح جهله بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامة".
وقد ألفت في كتب عديدة مشهورة، منها – مما هو موجود على المكتبة الشاملة – :
** غريب الحديث، لـ (أبي عُبيد، القاسم بن سلاّم)، المتوفى (224هـ)، في (4) أجزاء.
** غريب الحديث، لـ (ابن قتيبة الدينوري)، المتوفى (276 هـ)، في 3) أجزاء.
غريب الحديث، لـ (إبراهيم بن إسحاق الحربي)، المتوفى (285 هـ)، في (3) أجزاء.
** الدلائل في غريب الحديث، لـ (السرقسطي، قاسم بن ثابت)، المتوفى (302 هـ). في (3) أجزاء.
** غريب الحديث، لـ (الخطّابي)، المتوفى (388 هـ)، في (3) أجزاء.
الغريبين في القرآن والحديث، لـ (أبي عبيد، أحمد بن محمد الهروي)، المتوفى (401 هـ).
** الفائق في غريب الحديث والأثر، لـ (الزمخشري)، المتوفى (538 هـ)، في (4) أجزاء.
** غريب الحديث، لـ (ابن الجوزي)، المتوفى (597 هـ)، في جزأين.

أحاديث الآحاد، المشهور والعزيز، (الحلقة 5)


أحاديث الآحاد، المشهور والعزيز

ذكرنا في الحلقة السابقة أن الخبر باعتبار طرق وصوله إلينا ينقسم إلى قسمين رئيسين، وهما: المتواتر، والآحاد.


وحديثنا اليوم هو عن أحاديث الآحاد.

ما هي أحاديث الآحاد؟

(الآحاد) في اللغة جمع (واحد)، وخبر الواحد أو حديث الواحد – في اللغة – هو ما يرويه شخص واحد، وحديث الآحاد هو ما يرويه (آحاد) أي عدة أشخاص.
أما في الاصطلاح، فأحاديث الآحاد هي الأحاديث التي لم تجمع شروط التواتر.
وعليه، ففي الاصطلاح لا يقتصر لقب أحاديث الآحاد على ما رواه شخص واحد، بل يدخل في أحاديث الآحاد ما رواه جمع من الرواة ولم يصل حدّ التواتر.

ما هي أقسام أحاديث الآحاد؟

تنقسم أحاديث الآحاد – بحسب عدد من رواها – إلى (3) أقسام، وهي:
  • الحديث المشهور
  • الحديث العزيز
  • الحديث الغريب

وهنا لا بدّ من التنبيه إلى أننا نعتبر – عند تصنيف الحديث وفق ما سبق –عددَ الرواة في أقل طبقات سند الحديث.

ما هو الحديث المشهور؟

(الشُّهْرَةُ) في اللغة تدلُّ على (وُضُوح الأَمرِ) وعلى (ظُهُور الشَّيءِ).
أما في الاصطلاح فيجب علينا أن ننتبه إلى أن التعريفات الاصطلاحية قد تختلف من علمً إلى آخر، فيكون لدينا نفس المصطلح، ويستخدمه أهل كل علمٍ استخدامًا خاصًّا بهم.
وعليه فنقول:
المشهور – في اصطلاح المحدثين – هو:(ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين).
أو بعبارة أخرى: ( ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة ما لم يبلغ حدَّ التواتر).
وهنا نعيد التأكيد على أن وصف الحديث بالنسبة لوصوله إلينا بأنه مشهور أو عزيز أو فرد يعتمد على عدد الرواة في أقل طبقة من طبقات السند.
والحديث المشهور من أقسام الآحاد، ويطلق عليه بعض العلماء (المستفيض).

ما هو الحديث المشهور غير الاصطلاحي؟

كما أسلفنا فالتعريف الذي ذكر للحديث المشهور أعلاه هو تعريف علم مصطلح الحديث، وهناك أحاديث كثيرة توصف وفق هذا العلم بأنها مشهورة ولا يكاد أغلب أهل العلم فضلًا عن غالب الناس يعرفونها.
وفي غير مصطلح الحديث يطلق وصف (الحديث المشهور) على ما اشتهر على ألْسِنةِ الناس.
والأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس قد يكون لها إسناد، وقد لا يكون لها إسناد أصلًا، وقد أُلّفت كتب عديدة في بيان مرتبة كثير من هذه الأحاديث، منها:
  • اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة، للزركشي (المتوفى: 794هـ)
  • المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، للسخاوي (المتوفى: 902هـ).
  • الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، للسيوطي (المتوفى: 911هـ).
  • كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، للعجلوني (المتوفى: 1162هـ).

ومن أمثلة الأحاديث المشتهرة على ألسن الناس وليس لها أصل حديث (النظافة من الإيمان) فهو مما ليس له أصل، بمعنى أنه لم يُروَ في أيٍّ من كتب الحديث المسندة بلفظه، ولو بسند موضوع.
ملاحظة: ليس معنى قولنا أن الحديث ليس له أصل أن معناه خاطئ، بل قد يكون معناه صحيحًا، كالحديث أعلاه، وإنما نحكم في علم المصطلح على ورود الحديث بلفظه المنسوب إلى النبي ﷺ.
والأحاديث المشتهرة على الألسن قد تكون مشتهرة على ألسنة عموم الناس، كالحديث المذكور أعلاه، وقد تكون مشتهرة بين فئة معينة من الناس:
فهناك أحاديث مشتهرة بين الفقهاء عمومًا، مثل حديث (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) فإنك لو بحثت كتب الفقه لوجدته في كتب المذاهب الأربعة، وهو حديث فردٌ لأنه لم يروه إلا (مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) عَنْ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ)، ففي طبقتين من سنده راو واحد انفرد بروايته، والحديث مختَلَفٌ بين العلماء في الحكم عليه.
وهناك أحاديث مشتهرة بين فقهاء مذهب معين، مثل حديث (لَعَنَ اللَّهُ كُلَّ ذَوَّاقٍ مِطْلَاقٍ)، وهو مشتهر في كتب السادة الحنفية مع أنه ليس له أصل.
وهناك أحاديث مشهورة بين النحاة، مثل حديث (نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يخف الله لم يَعْصِهِ)، وبعضهم ينسبه إلى عمر رضي الله عنه، وهو لا أصل له، إذ لم يُرو لا حديثًا ولا عن عمر بإسنادٍ في أي كتاب، كما قال ابن كثير والزركشي والسخاوي والسيوطي، وذكر ابن حجر أنه وجده في كتاب لابن قتيبة بلا إسناد.

هل هناك ارتباط بين شهرة الحديث الاصطلاحية وصحته؟

قلنا أن الحديث المشهور هو (ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة ما يبلغ حدَّ التواتر)، وليس من ضرورة ذلك أن يكون الحديث صحيحًا، إذ الحكم على الحديث بالصحة له شروط – ستأتي في حلقات لاحقة بمشيئة الله تعالى – وليس منها تعدد الرواة.
والحديث المشهور (الاصطلاحي)، وكذلك (غير الاصطلاحي) لا يوصف بكونه صحيحًا أو غير صحيح، إذ يجب البحث في سنده ومتنه.
وفي الأحاديث المشهورة الاصطلاحية تجد الصحيح، وتجد الحسن، وفيها الضعيف، بل والموضوع أيضًا.

ما هو الحديث العزيز؟

هو في الاصطلاح: ما رواه اثنان في أقل طبقة من طبقات رواته.
وقد جاء وصفه بـ (العزيز) إما:
من (عَزَّ / يَعِزُّ) – بكسر العين – بمعنى قلَّ أو نَدُر، وذلك لقلّة وجوده وندرته.
أو من (عَزَّ / يَعَزُّ) – بفتح العين – بمعنى قَوِيَ واشتَدَّ، وذلك بمجيئه من طريق أخرى.
والمعتبر في وصف الحديث بأنه (عزيز) أن لا يوجد في طبقة من طبقات السند أقل من اثنين؛ فلو وجد في بعض طبقات السند – أو في بقيتها – ثلاثة رواة أو أكثر فإنه يبقى موصوفًا بـ (العزيز)؛ لأن العبرة لأقل طبقة من طبقات السند.

الحديث المتواتر (الحلقة 4)


الحديث المتواتر


ما هي أقسام الخبر بالنسبة لوصوله إلينا؟

ينقسم الخبر باعتبار طرق وصوله إلينا إلى قسمين رئيسين:
  • المتواتر
  • الآحاد

وينقسم حديث الآحاد إلى (3) أقسام، وهي:
  • المشهور
  • العزيز
  • الغريب


ما هو تعريف الحديث المتواتر؟



التواتر في اللغة هو التتابع.
أما في الاصطلاح فقد عرفه بعض علماء المصطلح بأنه (ما رواه عدد كثير، تُحِيل العادة تواطُؤَهم على الكذب)
وهو تعريف فيه قصور، وأشمل منه تعريفه بأنه (ما رواه جماعة يستحيل في العادة أن يتواطؤوا على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس).
ويمكن القول بأن الحديث المتواتر هو ما كانت له طرق (أي أسانيد كثيرة)، وتكون كثرتها بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، وذلك من بدايته إلى نهايته، ويكون مستند انتهائه الأمر المشاهد أو المسموع.
وعليه فالشروط الواجب توافرها في الحديث حتى يكون متواترًا أربعة، وهي:
  1. أن يرويه عدد كثير
  2. وأن يكون هذا العدد في كل طبقات السند، من الابتداء إلى الانتهاء، فإذا نقص ولو في طبقة واحدة انتفى التواتر.
  3. أن تحيل العادة تواطؤهم، أو توافقهم، على الكذب.
  4. أن يكون مستند انتهائهم الحس.

هل يشترط عددٌ معين للحكم على الحديث بأنه متواتر؟

اختلف العلماء هل هناك عدد محدد لا يتحقق التواتر فيما دونه، فقال بعضهم أن أقل عدد لتحقق التواتر هو (4)، وقيل (5)، و(7) و(10) و(12) و(40)، و(70)، وقيل غير ذلك.
والذي حققه ابن حجر أن الطرق التي تفيد للتواتر ليست محصورة بعددٍ معين، وإنما يشترط فيها أن تكون كثرةً يستحيل تواطؤهم أو اتفاقهم على الكذب.
ولبيان ذلك فقد ترد الرواية عن عدد كبير  ولكنهم يمكن أن يكونوا متفقين على الكذب فيه، بينما ترد رواية أخرى عن عدد أقل والعادة تشير إلى استحالة اتفاقهم على الكذب.
ولنضرب مثالًا على ذلك من واقع الحياة الجامعية:

أنت طالب جامعي، ولديك عددٌ كبير من الأصدقاء على (الفيسبوك)، فتحت صفحتك فوجدت أنّ عددًا من أصدقائك من نفس جامعتك (ولنقل أنهم 3) نقلوا على صفحاتهم أن الدوام معلق ذلك اليوم لإضراب العاملين في الجامعات، وكلهم ذكروا أنهم قرأوا ذلك في الموقع الرسمي لنقابة العاملين في الجامعات، ثم وجدت أصدقاء آخرين لك من جامعات أخرى (ولنقل أن عددهم 7) نقلوا أيضًا نفس الخبر، وهم من جامعات مختلفة، وفيهم طلاب من تخصصات شتى، وأنت تعلم أنه ليس بينهم علاقات سابقة.
في هذه الحال لا بدّ لك أن تجد في نفسك اطمئنانًا لصحة الخبر، لأنه يستحيل في العادة أن يتفق مثل هؤلاء وهم متباينون لا علاقة بينهم على خبر واحد يختلقونه كلهم.

وفي حالة أخرى، أنت نفسك لديك محاضرة في الجامعة، وعندما دخلت ساحة الجامعة وجدت عددًا من زملائك (عددهم 10، وهو نفس العدد في المثال السابق) واقفون في الساحة، فسألتهم: لمَ لمْ تذهبوا للمحاضرة، فأخبروك أن مدرس المادة غائب.
فلنفترض أن هؤلاء الزملاء العشرة كانوا من الذين لا يتورعون عن الكذب، و(سحب الأفلام) على زملائهم، فالسؤال المطروح: هل يستحيل أن يكون هؤلاء قد اتفقوا وتواطؤوا على الكذب وادعاء غياب المدرس؟؟
لاحظ هنا، أن العدد هو نفس العدد في المثال السابق، ومن الواضح أن العادة لا تحيل اتفاق مثل هؤلاء على الكذب، وبالتالي فروايتهم ليست متواترة، أي أنها لا تفيد العلم اليقيني الذي يطمئن له القلب اطمئنانًا تامًّا.
أما إن كانوا من المعروفين بالورع والتقوى، فقد تصل روايتهم إلى مرتبة التواتر أو إلى مرتبة قريبة منها.
وهنا وجود احتمال – ولو كان ضئيلًا – لأن يكونوا اتفقوا على الكذب لا يعني أن خبرهم هذا لا يفيد نوعًا من العلم، بل هو يفيد، وتتفاوت مرتبة العلم (التصديق) المستفاد من خبر هؤلاء بتفاوت مستوى الورع عندهم.
وبينما يكون يقينك في المثال الأول بأن الدوام معلّق ذلك اليوم هو (100%)، فإن تصديقك في المثال الثاني قد يكون (99%) أو أقل، ولكنه يبقى دون مرتبة اليقين، لوجود احتمال التواطئ على الكذب.

ما المقصود بأن يكون مستند انتهائهم الحس؟

يشترط في اعتبار الرواية متواترة أن يكون الخبر الذي فيها قد تمّ إدراكه بـ (الحس)، أي بإحدى الحواس الخمس، فيقول الراوي فيه: سمعت أو رأيت أو لمست.
ذلك أن الجماعة المستحيل تواطؤهم على الكذب قد ينقلون خبرًا مستنده الظن، كما لو اتفق عشرات من المحللين السياسيين على تحليل حدث معين بناء على مشاهداتهم ودراستهم، فالخبر المنقول عنهم مستنده الظنّ، لأنهم لم يروا أو يسمعوا ما يخبرون عنه، وإنما استنتجوه بعقولهم، فمثل هذا الخبر لا يكون متواترًا، أي لا يفيد العلم اليقيني، لأن مستنده ليس الحس.

ما هو نوع العلم الذي يفيده الحديث المتواتر؟

الحديث المتواتر (أو الرواية المتواترة في غير الحديث) يفيد العلم القطعي (اليقيني) الضروري.
وقد سبق وذكرنا في مراتب العلم أن أعلى مراتبه هي (اليقين)، وهي المرتبة التي يكون تصديقك بالخبر فيها لا يداخله أي شك، أي أنك مصدّق بالخبر (100%).
وهذا العلم القطعي (اليقين) نوعان:
  • علم قطعي ضروري، وهو العلم الذي لا يحتاج إلى بحث ولا إلى تتبع، وهو يحصل لكل سامع، ويفيد العلم بلا استدلال.
  • علم قطعي نظري، وهو الذي يتوقف التوصل إليه على البحث والنظر، وهذا لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر (البحث)، فيتوصلون بالبحث والنظر والاستدلال للعلم القطعي.


2018/03/16

حكم الدعاء لمن مات على الكفر


سألني بعض الأحباب عن مسألة الدعاء بـ (الرحمة) للذين يموتون على الكفر.
ورغم قناعتي أنه ليس هناك ضرورة للتعليق على ما يتعلق بآخرة الناس، مسلمهم وكافرهم، إلا حين يتوجب ذلك لبيان حكم شرعي ضروري، إذ ليست مهمتنا أن نقضي بين الناس، ولسنا خَزَنَةُ النار، ولا حُجّابَ أبواب الجنة، ويكفينا عندما يموت شخص مسلمٌ أو غير مسلم، إن احتجنا لذكر شيء عن حياته إيجابًا وسلبًا أن نذكر ما قدّم في حياته، ونترك محاسبته على ذلك للواحد الديّان.
غير أني أجدني مضطرًّا للإجابة على هذا السؤال، التزامًا بما أُخِذَ من ميثاق على أهل العلم، وسأجعل جوابي في نقاط مختصرة قدر الإمكان، تجيب على بعض التساؤلات المتعلقة بالموضوع:

الدعاء لمن مات على الكفر بالمغفرة لا يجوز


قوله تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [التوبة: 113] واضح الدلالة في عدم جواز الاستغفار للمشركين، وهو حكم اتفق عليه علماء الأمة كلهم، فليس فيه خلاف، والذي يستغفر لهم قد خالف ما أمره الله به.
ويتساءل البعض، منهم من يرغب في التعلم، ومنهم من يريد مجرد المناكفة دون أساس علميٍّ يستندون إليه، فيقولون: الآية تقول (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)، والتساؤل: كيف لنا أن نجزم بأن هؤلاء من أصحاب الجحيم، وفيهم من قدّم للبشرية خدمات مفيدة مميزة؟
والجواب على ذلك أننا مطالبون بالحكم على ظواهر الناس، وقد حكمت الشريعة أن الذي مات على الكفر هو من أصحاب الجحيم، وقد تكرر في القرآن الكريم قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: 48، 116]، فالمسألة من قطعيات الدين وليست من الخلافيات حتى يتم الجدال فيها بلا علم.
وآية النهي عن الاستغفار للمشركين نزلت لما رفض أبو طالب – وهو في نزع الموت – أن يُسلم، فقال الرسول ﷺ(أما – والله – لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك)، وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
ومما يؤكد ذلك – أيضًا – ما رواه مسلم وغيره بأسانيد صحيحة عن الرسول ﷺ أنه قال (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي).
أما لماذا لا يجوز طلب المغفرة للكفار، فإن سبب ذلك – كما قال الطبري – أن الله تعالى أخبر أنه لن يغفر لهم، فلا ينبغي للمؤمنين أن يسألوا ربهم أن يفعل ما قد علموا أنه لا يفعله.
وطلب الغفران لهم – كما قال الرازي – جارٍ مجرى طلب أن يخلف الله وعده ووعيده، وهذا لا يجوز.

الكفار ليسوا في مرتبة واحدة؟ والكافر يستفيد من عمله الصالح في الدنيا؟

ومع أن طلب المغفرة لمن مات على الكفر لا يجوز فإن ذلك لا يعني أن المسلمين يجعلون من مات على الكفر في مرتبة واحدة، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ففي الدنيا التعامل مع الكافر المسالم غير المحارب غير التعامل مع الكافر المحارب، وهو ما علمنا إياه الله تعالى في قوله: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة 8-9].
وأما في الآخرة فإن الله – تعالى – لن يضيع عمل هؤلاء الذي عملوه في الدنيا، وإلا:
فلماذا جعل الله سبحانه النار دركات كما جعل الجنة درجات؟
ولماذا كان أبو طالب أخف أهل النار عذابًا؟
ألأنه عم رسول الله ﷺ؟! لا، والله، فقد كان أبو لهب عمه أيضًا، وإنما استحق هذا التخفيف عنه لمواقفه في الدفاع عن الرسول ص وهي مواقف دفعه إليها حميته وعصبيته.
وعليه فنظرتنا للكافر الذي سالم المسلمين ودعم قضاياهم، وكذلك للكافر الذي أفاد البشرة، إذ يستفيد المسلمون مما جاء به ينبغي أن تكون غير نظرتنا للذي يحارب الإسلام والمسلمين، أو الكافر الذي آذى البشرية.
مع تكرار التنبيه أن مسالمة الكافر للمسلمين أو خدمته للبشرية لا تبيح الدعاء له بالمغفرة؛ لأن هذا الدعاء عبثٌ بعد أن قضى الله في مصيره قضاءً لا يُردّ.

ضرورة الانتباه للنظرة الكلية في تقييم الناس

وهناك قضية لا يجوز أن تغيب عن أذهاننا عند النظرة للناس وتقييمهم، وهي أن تكون نظرتنا شمولية، فلكل إنسان إيجابيات وسلبيات، ولا ينبغي لنا أن ننظر إلى الإيجابيات وحدها أو إلى السلبيات وحدها، بل يجب أن نوازن ونحكم على المرء حكمًا كليًّا ناتجًا عن محصلة جمع إيجابياته وسلبياته، إذ بعض الناس لهم مواقف إيجابية يشكرون عليها، كوقوف الذين يقفون مع الشعب الفلسطيني والشعوب المضطهدة، ويدافعون عن المظلومين، أو الذين يقدمون للعلم ما يفيد البشرية، فهذا لا شكّ أنه أمر إيجابي، ولكن إذا كان أحد هؤلاء داعية للإلحاد مثلًا، وتؤدي مواقفه لإضلال الناس وخروجهم عن إيمانهم، فإن النظرة الكلية لن تكون في صالحه، إذ بدعوته الهدامة للإلحاد يكون قد دمّر ما بناه من خير وفائدة.
لقد كان في مشركي قريش من كانت له مواقف إيجابية في بعض الأحيان، كما في موقف الوليد بن المغيرة عندما أجار عثمان بن مظعون ومنع المشركين من إيذائه، ولكنّ الوليد كان له على الجانب الآخر مواقف شديدة السلبية في محاربة الدعوة الإسلامية، ولذلك لم تغفر له بعض مواقفه الإيجابية لأنها كانت مغمورة في تصرفاته السيئة، بينما كان للمطعم بن عدي مواقف إيجابية من المسلمين، ولم تكن له مواقف سيئة كمواقف الوليد بن المغيرة، ولذلك حفظ الرسول ص له ذلك، وأمر حسان بن ثابت برثائه عندما مات، وكان قد مات كافرًا.
هل يجوز الدعاء للكافر بغير المغفرة؟
بعدما سبق يمكن طرح التساؤل التالي:
ما دام الكفار، ونحن معتقدون أن مصيرهم النار لكفرهم، ليسوا في مرتبة واحدة فيها، فهل يجوز أن أدعو لأحدهم، ممن له مواقف يشكر عليها، أن يخفف الله عنه من عذاب النار؟
وهذا سؤال وجيه، وجوابه واضح من جواب الرسول ﷺ لسؤال عمه (العباس) له عن (أبي طالب) حين قال له: ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ فقال ﷺ عن أبي طالب: (هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، وقد جاء في رواية (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة)، وهذه الأحاديث صحيحة، وهي تدل على أن النبي ﷺ تشفّع لعمّه أبي طالب، وطلب من الله تعالى أن يخفف عنه العذاب يوم القيامة.
والذي أراه أن ذلك يدلُّ على أنه لا حرج علينا من أن ندعو لمن مات على الكفر، وكانت له إيجابيات بارزة، دون سلبيات تمحوها، بأن يخفف الله عنه من العذاب يوم القيامة؛ لأن تخفيف العذاب عنه يوم القيامة مما لم يرد نصٌّ شرعيٌّ يفيد بامتناعه، بينما ورد نصٌّ في امتناع الخروج من النار لمن مات على الكفر.

هل يجوز الدعاء بالرحمة؟

فإذا قلنا ذلك، فهل يجوز أن يكون الدعاء بصيغة طلب الرحمة؟
بدايةً يجب أن ندرك أن هناك فرقًا بين الرحمة والمغفرة، فـ (المغفرة) مشتقة من (الستر والتغطية)، وهي عندما تستخدم مع الذنوب تقتضي إسقاط العقاب عن الذنب المغفور أصلًا.
أما (الرحمة) فهي في الأصل رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وهي تستعمل أحيانًا تارة في الرقّة المجردة فلا يكون معها إحسان، وتستخدم في الإحسان المجرد عن الرقة، والرحمة عندما يوصف بها الله تعالى يراد بها الإحسان المجرد.
وعليه فـ (الرحمة) أعمّ من (المغفرة)، ومعانيها اللغوية تقتضي أن الذي يملك العقوبة قد (يرحم) مستحقَّ العقاب بالتخفيف من عقوبته دون إسقاط العقوبة كلها، فتخفيف العقوبة (رحمة) وليس (مغفرة)، بينما إسقاط العقوبة من أصلها فيه (رحمة) و(مغفرة).
ولكن هل يعني ذلك جواز الدعاء بـ (الرحمة) لمن مات كافرًا، وكانت له أفعال يستحق لأجلها التخفيف عنه؟
الذي أراه أنه لا ينبغي أن يكون الدعاء بالتخفيف من عقوبة أمثال هؤلاء بلفظ (الرحمة) لأنه قد أصبح لها معنًى شرعيًّا خاصًّا، هو أخصُّ من المعنى اللغوي، ويدل على ذلك قوله تعالى (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 156]، فهذه الآية ذكرت أن الرحمة في الآخرة مكتوبة للمؤمنين، والحديث هنا عن الرحمة بمعناها الخاص، والذي يقارب معنى المغفرة، إذ فيه العفو عن الذنوب.
مع أني لا أميل إلى التشدد مع من يستخدم الدعاء بهذا اللفظ إن عنى به الرحمة بمعناها اللغوي، فوضوح التحريم في مسألة الدعاء للكافر بالمغفرة ليس كوضوحه في مسألة الدعاء بالرحمة بمعناها اللغوي.
ولعل مما يشهد لما أقول من عدم التشديد في المسألة أن الله تعالى قال في توجيهه بالبرّ بالوالدين: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء: 24]، ومعلوم أن الوالدين قد لا يكونا مسلمين، وهذه الآية وإن كان كثير من المفسرين ذكروا أنها منسوخة بقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [التوبة: 113]، كما هو مرويٌّ عن ابن عباس، إلا أن منهم من أنكر النسخ،
فقد استبعد الماتريدي في تفسيره أن تكون الآية منسوخة، وقال أنه يمكن أن (تكون من الرحمة التي يتراحم بعضهم بعضًا، والشفقة التي تكون بين الناس كما يتراحم الصغار والضعفاء) اهـ، أي أنه هنا يتكلم عن الرحمة بمعناها اللغوي.
وذكر بعض المفسرين – كما نقل القرطبي – أن الدعاء للأبوين الكافرين بالرحمة الأخروية لا يجوز إن ماتا على الكفر، أما الدعاء لهما بالرحمة الدنيوية فهو جائز ما داما حيين.
والمقصد من هذه النقول أن ندرك أن من العلماء من أباح استخدام الدعاء بالرحمة بمعناها اللغوي وليس بمعناها الشرعي العرفي التعلق بالآخرة.
ومع ذلك أقول أنني لا أميل لذلك، خروجًا من الخلاف، وابتعادًا عن الشبهة، فلا أرى أن يدعى للكافر (ذي الإيجابيات) بالرحمة (بالمعنى اللغوي)، ولا أرى حرجًا في أن يدعى له بأن يخفف الله عنه يوم القيامة، كما خفف عن أبي طالب.
هذه أهم النقاط المتعلقة بهذا السؤال، فإن أصبت فيها فبتوفيق الله تعالى، وإن أخطأت فمن قصوري، وأسأل الله العفو والعافية.

2018/03/05

بين صلاح الحاكم وإصلاح النظام (رؤية نقدية لعصر صلاح الدين الأيوبي)


لا ينكر أحدٌ من المخلصين في هذه الأمة عَظَمة صلاح الدين الأيوبي – رحمه الله – وما قدّمه من إنجازات للأمة، وقبله، ولربما هو – في نظري – أعظم منه؛ لأن صلاح الدين كان حسنَةً من حسناته كان هناك نور الدين محمود بن زنكي.
لقد كان صلاح الدين من النماذج الفريدة التي مرَّت على الأمة، ولو أردنا أن نستعرض مناقبه لما أسعفتنا عدة مقالات لإنجاز ذلك، وقد يكفي أن نشير إلى بعض ما قاله فيه العلماء والمؤرخون:
فقد وصفه الإمام الذهبي بأنه "كان خليقًا للإمارة، مهيبًا، شجاعًا، حازمًا، مجاهدًا، كثير الغزو، عاليَ الهمة".
ووصف تأثر الناس بموته، فقال "ما رأيت مَلِكًا حزن الناس لموته سواه، لأنه كان محبَّبًا، يُحبّه البَرُّ والفاجر، والمسلم والكافر".
وقال المؤرخ الموفق الموصلي: "أتيت، وصلاح الدين بالقدس، فرأيت ملكا يملأ العيون روعة، والقلوب محبّة، قريبًا بعيدًا، سهلًا، محّببًا، وأصحابه يتشبهون به، يتسابقون إلى المعروف".
وقد ذكر القاضي ابنُ شدَّاد أنه عندما مات – رحمه الله – لم يُخَلّف فِي خزانته من الذَّهب والفضَّة إلا (47) درهمًا، ودينارًا واحدًا ذهبًا، ولم يخلف مِلْكا لا دارًا ولا عقارًا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة.
هذه العَظَمَة الفريدة شابتها شائبة، ومثلها كان أيضًا في تاريخ نور الدين زنكي، وهذه الشوائب يجب أن نقف عندها لنستفيد منها، فالتاريخ مرآة المستقبل، يتوجب علينا الكشف عن عثراته لئلا نكرر الوقوع فيها، وقبل الحديث عن هذه الشائبة سأقدّم بالقول أن الذي يتحمل مسؤوليتها بشكل رئيسي لم يكن صلاح الدين وقبله نور الدين، بل الذي يتحمل مسؤوليته هم أهل العلم الشرعي والفقهاء في زمانهم والزمان الذي قبلهم.
عندما مات صلاح الدين أوصى بالملك بعده لأولاده وقسم البلاد بينهم:
فأعطى ملك الديار المصرية لولده العزيز (عماد الدين عثمان).
وأعطى ولده الأفضل (نور الدين علي)، وهو أكبر أولاده، بلاد دمشق وما حولها.
وأعطى المملكة الحلبية لولده الظاهر (غازي غياث الدين).
أما أخوه الملك العادل، فقد أعطاه الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلادًا كثيرة في قاطع الفرات.
وأعطى حكم مناطق أخرى أقل من هذه أهمية لبعض أبناء أخيه وبني عمومته.
وقبله كان الملك الصالح نور الدين زنكي الذي قال ابن الأثير أنه لم يَرَ في السِّيَر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسنَ من سيرته، ولا أكثر تحرِّيًا منه للعدل، قد أوصى بالملك بعده لولده الصالح إسماعيل، وكان صغيرًا، لم يبلغ الحُلُم، ولما حضرته الوفاة أخذ العهد على الأمراء من بعده لولده هذا.
كانت النتيجة لعملية (التوريث) هذه أن عملية الإصلاح التي بدأها (نور الدين) انتكست بعد وفاته (في سنة 569 هـ)، فقد نشبت الصراعات بين أمراء الدولة الزنكية الذين كان كلٌّ منهم يريد الاستفراد بالوصاية على هذا الغلام الصغير، والحكم باسمه، وقامت حروب بينهم، واضطر صلاح الدين الأيوبي للقدوم بجيشه من مصر لفض النزاع، وتولى الحكم نيابة عن ابن نور الدين، ثم استمرت الصراعات والنزاعات حتى استطاع صلاح الدين توحيد البلاد التي كانت تحت حكم نور الدين مرة أخرى، ودان له أمراؤها بالطاعة بعد جهد جهيد ومعارك طويلة، وبعدها استطاع صلاح الدين تحرير بيت المقدس.
وبقيت البلاد موحدة في عهد صلاح الدين حتى حانت وفاته، ووزع الممالك التي كانت تحت حكمه بين أولاده وأقاربه، الذين ما لبثوا وتنازعوا، فبعد نحو سنة من وفاة صلاح الدين سار ابنه العزيز، ملك مصر، بجيشه إلى دمشق ليأخذها من أخيه الأفضل، فحاصر البلد، ومانعه أخوه، ودافعه عنها فقطعت الأنهار ونهبت الثمار، واشتد الحال، ولم يزل الأمر كذلك حتى قدم العادل عمُّهُما فأصلح بينهما، وبعدها بنحو سنة أخرى عاد ملك مصر – العزيز – وبصحبته عمه العادل – ملك الكرك – وحاربا ملك دمشق واستوليا عليها منه.
ثم نشبت نزاعات بين ملوك الأسرة الأيوبية، لها أولٌ ولا آخر لها، واستمرت حتى سقطت الدولة الأيوبية.
عندما أوصى صلاح الدين بالملك لأولاده من بعده، وقسم البلاد بينهم كان يقصد – فيما نظنّ به – الحفاظَ على استقرار المملكة؛ لأن الفقهاء السابقين ومن سار على نهجهم مقلّدًا لهم برروا فتاواهم بقبول نقل الحكم عبر التوريث بأنه يحقق (مصلحة استقرار الحكم) ويدرأ (الفتنة)، وهكذا صار التوريث أمرًا مقبولًا عند فقهاء السياسة الشرعية في تلك العصور، ولم يكن صلاح الدين ولا نور الدين قبله، من العلماء القادرين على الاجتهاد والاستنباط، رغم أنهم كانوا يحبون العلم ويقربون أهله، ولكن انشغالهم بالجهاد لم يترك لهم إلا أن يكونا في العلم مقلدين لغيرهم، معتمدين على فتاواهم.
إن الناظر إلى سيرة صلاح الدين، ونور الدين قبله، يجد منهما زهدًا منقطع النظير، وعزوفًا عن الدنيا وبهارجها، ورغبة في الآخرة وعاقبتها، رغم ما كانا عليه من الملك، ثم يُصدم بأنهما – وهما في آخر مراحل الدنيا وأول مراحل الآخرة – قد عهدا بالملك لأبنائهما، فيظن أن ذلك كان حرصًا منهما على الملك، والذي أراه أن الورع الذي كان عندهما كان أعظم من أن يجعلهما يستسلمان لمثل هذا الحرص لو وجدا من العلماء من يخبرهما أن اجتهاد السابقين بقبول التوريث كوسيلة لانتقال الحكم كان مبنيًّا على تقديرهم تحقق مصلحة الاستقرار فيه، وأن وقائع التاريخ أثبتت أن التوريث في الحكم كان من أهم أسباب الصراعات التي أنهكت الأمة الإسلامية عبر التاريخ، وأن المَلِكَ الذي يوصي بالحكم لولي عهده سيتحمل أمام الله تعالى نتائج ما يفعله ولي العهد هذا، ولو وجدا مثل هذا العالم الذي يرشدهما لهذا، فلربما أوصى كل واحد منهما بالملك بعده لمن هو قادر من أمراء مملكته على تولي الحكم بعده، ولربما أسسا بذلك لمنعطف تاريخي كان ولا زال ضروريًا لهذه الأمة.
لقد كان نور الدين وصلاح الدين حاكمين صالحين، ولكن النظام في عهدهما بقي كما كان قبلهما، لم تصل إليه يد الإصلاح، ولذلك عندما يكون لدينا حاكم صالح، ويكون النظام مبنيًّا على أسس فاسدة فلن يستمر الصلاح إلا بوجود هذا الحاكم بنفسه، بينما عندما يكون النظام صالحًا، فحتى لو وصل حاكم طالح للحكم فإن إمكانية الإصلاح تبقى ممكنة عبر آليات المحاسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الدرس الأساس الذي يجب أن نعيه من سيرة الملكين الصالحين: نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، ومن ارتكاس الدولة بعد وفاتهما هو أن إصلاح النظام أهمُّ بمراحل من صلاح الحاكم الفرد، وهذا يحتاج إعادة النظر في كثير من مفاهيم الفقه السياسي التي ظنها البعض من أساسيات الدين لكثرة تردادها في كتب الفقه السياسي القديمة، وهي مهمة أهل العلم والفكر، التي يجب أن يجنّدوا أنفسهم لها.
رحم الله صلاح الدين الأيوبي، وجزاه عن أمته خير الجزاء، فكما أسلفت ليس هو من يتحمل مسؤولية ذلك الارتكاس في نظري، وإنما جمود العلماء على تقليد أقوال السابقين دون إدراك مراميها وأن الاجتهاد المبني على النظر في المصالح ينبغي مراجعته للتأكد من تحقيقه لها.
لسنا بحاجة إلى تكرار نموذج صلاح الدين – كشخص – رغم أنه نموذج راقٍّ، ولكننا بحاجة إلى إنتاج نظام سياسي يضمن لنا استمرار العدل والصلاح في من يرأسونه، وعندها سيكون لدينا من يسيرون على نهج صلاح الدين رحمه الله.

2018/03/04

بُنية الحديث، السند والمتن (الحلقة 3)


ما هي بُنية الحديث (مم يتكون الحديث)؟

كل رواية، سواءً كانت حديثًا نبويًّا شريفًا أو غير ذلك، تتكون من قسمين اثنين، وهما: السند والمتن.
·       السند:
هو في اللغة: المعتَمَد، وسمّي كذلك؛ لأن الحديث يستند إليه، ويعتمد عليه.
وفي الاصطلاح، هو: سلسلة الرجال الموصلة للمتن. ويطلق عليه أيضًا (الإسناد).
ملاحظة: يطلق لفظ الإسناد – أيضًا – على (عزو الحديث إلى قائله مُسندًا) أي: ذِكرِ السند.
·       المتن:
في اللغة هو: ما صَلُب وارتفع من الأرض.
وفي الاصطلاح، هو: ما ينتهي إليه السند من الكلام.

مثال على السند والمتن

قال أحمد بن حنبل في مسنده (ح5862): حدثنا محمد بن إدريس الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ص قَالَ: (لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ).
في الحديث أعلاه:
قول أحمد: (حدثنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ص قَالَ) هو سند الحديث؛ لأنه الطريق التي وصل بها الحديث للإمام أحمد، أو لأنه سلسلة الرجال الموصلة للمتن.
وقول الرسول ص (لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ)، هو متن الحديث؛ لأنه ما يريد الرواة الذين ذكروا في السند نقله للسامعين، وهو ما ينتهي إليه السند من الكلام.

هل يقتصر وجود السند والمتن على الحديث النبوي؟

من تعريف السند والمتن أعلاه يمكن ملاحظة أن كل (خبر) يصلك بطريق ما يحوي سندًا ومتنًا:
أما السند فيه فهو (الطريق التي وصلك بها الخبر)
وأما المتن فهو (الخبر) نفسه
ولنضرب أمثلة على ذلك من خارج إطار علم الحديث الشريف.
·       مثال1:
(قالت قناة الجزيرة): وقد ذكر مراسلنا في فلسطين نقلاً عن الناطق باسم فتح محمد عساف أن الرئيس أبا مازن مستعد للعودة إلى المفاوضات
هنا الخبر هو (الرئيس أبو مازن مستعد للعودة إلى المفاوضات)، وهو متن هذه (الرواية)
والطريق الذي وصلنا به هذا الخبر هو (قناة الجزيرة عن مراسلها في فلسطين عن الناطق باسم فتح محمد عساف)، وهذا هو سند هذه (الرواية).
·       مثال 2
سمعتَ خطيب الجمعة يذكر أن الرسول ص قال (إن من الشعر لحكمة)
الرواية هنا – المتن – هي (أن الرسول ص قال: "إن من الشعر لحكمة").
أما الطريق الذي وصلتك به هذه الرواية فهو (خطيب الجمعة) فهو سند هذه الرواية بالنسبة لك.
·       مثال3
(قرأتَ على الفيس بوك) في صفحة فلان منشورًا فيه: (قال علي بن أبي طالب: المُحايد شخصٌ لم ينصر الباطل، ولكنه من المؤكد خذل الحق)
المتن، وهو الخبر الذي وصل إليك هو أن (عليًّا بن أبي طالب قال: المُحايد شخصٌ لم ينصر الباطل، ولكنه من المؤكد خذل الحق).
وطريق وصوله إليك هو (صفحة فلان) في السند لهذه الرواية.
ملاحظة مهمة: هذه العبارة لم يقلها عليّ رضي الله عنه، رغم أن معناها صحيح، ولذا فنسبتها إليه كذب عليه.
·       مثال4أعلى النموذج
أحمد (زميلك الذي يدرس معك في نفس الشعبة) أخبرك أن سلمان (زميلكما الآخر) أخبره أن موعد الامتحان تأجل.
المتن هنا، وهو الخبر الذي وصلك، هو (أن موعد الامتحان تأجل)
والسند، وهو الطريق الذي وصلك هذا الخبر (المتن) من خلاله هو (زميلك أحمد عن زميلكما سلمان)
ملاحظة: طبعًا إذا كان واحد منهما ضعيف الرواية فاعتمدت على روايته ولم تدرس ثم ثبت أن الامتحان لم يتأجل فستقع في مشكلة عويصة.
وهذه الملاحظة تؤكد لنا ضرورة التثبت من أي خبر قبل الأخذ به وبناء قراراتنا أو موقفنا عليه، والتثبت يكون بنفس طرق علماء الحديث في التثبت من صحة الأحاديث النبوية، وهي – كما سيأتي لاحقًا بإذن الله – عبر دراسة الطريق الموصلة للخبر ومدى مصداقيتها، وتقييم الخبر نفسه للتأكد من عدم معارضته لما هو أرجح منه.

لماذا نشأت العناية بالسند؟

كان الجيل الأول من المسلمين يعتمد على الثقة، إذ هي الغالبة، وكان الكذب نادرًا فيهم، وخصوصًا في رواية حديث النبي ص، فقد كان لديهم من الورع ما يمنعهم من ذلك وقد وصلهم بالتواتر قول النبي ص (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ).
ثم لما بَعُدَ العهد عن جيل الصحابة، ودخل ضعاف الدين في الإسلام، وانتشرت الخلافات التي بدأت سياسية ثم اكتست ثوبًا عقائديًّا، صار بعض ضعاف الورع يختلقون أحاديث مكذوبة يروونها عن النبي ص لتأييد أفكارهم، فصار أهل العلم يبحثون عن صحة ما يصلهم من مرويات.
ومن هنا بدأت العناية بالسند، والبحث عن عدالة الرواة المذكورين فيه.

مراتب العلم (الحلقة 2)


ما هي مراتب العلم؟

مراتب العلم أربعة، وهي: اليقين، الظن، الشك، الوهم.
1.      فـ (اليقين): مرتبة يصل فيها العلم بالشيء إلى درجة لا يدخل معه فيها أي شك البتة، أي أن نسبة قناعتك وتصديقك للمعلومة هي (100 %).
2.      أما (الظن): فهو أن يبلغ العلم بالشيء درجة راجحة، ولكنها دون اليقين، أو بعبارة أخرى أن يكون إيمانك بالمعلومة فوق الـ (50%) ولكنه دون الـ (100%).
وعليه فإن مراتب الظن متفاوتة، فهناك ظنٌّ غالب، وهناك ما هو أدنى منه، فلو كانت لديك معلومة نسبة تصديقك لها (95%) فهذا يسمى ظنٌّ راجح أو غالب، وهو يفيد طمأنينة القلب بدرجة عالية، بينما لو كانت نسبة تصديقك لمعلومة أخرى (60%) فهو ظنٌّ في مرتبة دنيا، لا يفيد طمأنينة القلب.
3.      وهناك (الشك): وهو مرتبة يكون فيه العلم بالشيء إثباتًا ونفيًا بمرتبة واحدة، أي أن احتمال صدق المعلومة يساوي احتمال خطئها (50%) لكل طرف.
4.      والمرتبة الأخيرة هي (الوهم) وهو عكس الظن، وهو كالظنّ درجات، ويمكن أن نعتبر أن درجة الاطمئنان لصدق المعلومة فيه تتراوح بين (0%-49%).
هل يشترط لوجوب العمل العلم اليقيني بالدليل؟
في الواقع ليس بالإمكان الوصول إلى اليقين القطعي (المستفاد من التواتر) في كل الأخبار، فالقطعيات قليلة بالنسبة للظنيات في الواقع.
وقد أوجب الفقهاء العمل بما غلب على الظن صوابه فيما لا يمكن الوصول إلى اليقين فيه، وهي قاعدة فقهية لا خلاف فيها، إذ العقلاء متفقون على تقديم الراجح على المرجوح، ولا يشك عاقل أن ما يغلب على ظنه أرجح مما لا يغلب على ظنه، ومثاله: خائف أمامه طريقان للهرب، يغلب على ظنه النجاة في أحدهما.
ودليل وجوب اتباع غلبة الظن عند انعدام اليقين هو استقراء جزئيات الشريعة، فلا يصح الكلام في هذه المسألة بأدلة جزئية؛ لأن كل دليل بانفراده يمكن الطعن فيه، ولكن مجموع الأدلة الظنية يفيد اليقين في وجوب ذلك.
ومن تأمل النصوص القرآنية، وأقوال النبي ص، وأحوال الصحابة وأقوالهم، لم يكد يشك في ذلك، إلا إن أتي من سوء فهمه، وقد قال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)[التغابن: 16]، وقال سبحانه (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[البقرة: 286].
ألا يعارض ذلك ما ورد في النهي عن اتباع الظنّ؟
الآيات التي ذمّت الأخذ بالظن، من مثل
1.      قوله تعالى (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)[يونس: 36]
2.      وقوله تعالى (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) [النجم: 23].
3.      وقوله سبحانه (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [النجم: 28]
هذه الآيات وشبيهاتها تتحدث عن الظنّ عندما يكون في مقابل الحق واليقين. أما الظنّ عندما يكون مقابله الشك أو الوهم، فالأخذ به متحتم لأنه أخذ بالراجح وترك للمرجوح.

فائدة

التوثق من المعلومات غير مقتصر على السنة، بل هو ضروري في كل أمور الحياة، ومن أمثلة ذلك: الطبيب عندما يقرر العلاج بناء على فحص مخبري، ومثله التاجر الذي يقرر فتح مشروع أو تصنيع منتج بناء على دراسة جدوى، وكذلك السياسي الذي يتخذ موقفًا بناء على تقارير إخبارية تصله، كل أولئك لا تكون قراراتهم صائبة إن لم يتوثقوا من معلوماتهم، فإن عدموا اليقين اكتفوا بغلبة الظن.

مقدمة في علم مصطلح الحديث (الحلقة 1)


ما المقصود بـ (علوم الحديث) و (علم مصطلح الحديث)، وما الفرق بينهما؟
الأصل أن عبارة (علوم الحديث) تشير إلى تلك العلوم المتعلقة بالحديث النبوي الشريف، وهي عبارة واسعة تشمل علومًا كثيرة متعلقة بمتن الحديث وسنده، وبروايته ودرايته، مثل: طرق الرواية (التحمل والأداء)، الجرح والتعديل وقوانينه، النسخ، التخريج، دراسة الأسانيد، وغير ذلك.
بينما يشير (علم مصطلح الحديث) إلى قسم متخصص من العلوم المتعلقة بالحديث النبوي الشريف، وهو القسم المتعلق بفهم المصطلحات المستخدمة في علم الحديث.
فـ (علوم الحديث) تشمل (علم مصطلح الحديث) وغيره من العلوم المتعلقة بالحديث الشريف.
ولمزيد من التوضيح فإن المواضيع التالية – مثلًا – يمكن إدراجها تحت عنوان (علوم الحديث) ولا تندرج تحت عنوان علم المصطلح: 

  • آداب طالب الحديث
  • كيفية كتابة الحديث
  • معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه
  • معرفة الصحابة والتابعين وطبقاتهم
بينما مواضيع مثل 
  • الحديث الصحيح
  • الحديث الحسن
  • الحديث العالي والنازل
  • الحديث المسلسل

هذه تندرج ضمن علم مصطلح الحديث.
وقد عرّف العلماء علم مصطلح الحديث عدة تعريفات، منها:
  • ·       هو علمٌ بأصول وقواعد يُعرف بها أحوال السّند والمتن من حيث القبول والرد
  • ·       هو علم يُعرف به حال السّند والمتن من حيث القبول والرد
  • ·       هو العلم الذي يكشف عن مصطلحات المحدِّثين التي يتداولونها في مصنفاتهم ودروسهم

***********************************
وسلسلة المنشورات هذه ستركز على التعريف بمصطلحات الحديث وشرحها، وقد تعرّج للتعريف ببعض علوم الحديث الأخرى بشكل مختصر.
************************************


ما هي أهمية هذا العلم؟

أهمية كل علم تتحدد من أهمية الموضوع الذي يتعلق به، وهذا العلم متعلق بالسنة النبوية الشريفة، والتي تتمثل أهميتها في ما يلي:
1.      هي المصدر الثاني للتشريع، بعد الكتاب، فقد قال ص (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ) [أبو داود، ح4604، صحيح].
2.      وهي وحيٌ من الله تعالى بالمعنى، فقد قال تعالى (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ) [البقرة: 231]، فالحكمة، وهي السنة منزلة كما القرآن، وقال تعالى (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3، 4]
3.      ولا يستغني عنها القرآن الكريم، فقد قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 44]، وقد جاء القرآن بأحكام مجملة بيانها في السنة، كتلك المتعلقة بالصلاة والزكاة والبيع.
4.      وهي التطبيق العملي للإسلام.
***********************************

ما هي أهمية دراسة مصطلح الحديث؟

·       في الشريعة: الأحاديث مقبولة ومردودة، ويجب على العالم أن يميز بينها، ويحتاج لذلك العلم بمصطلحات أهل الحديث.
·       في الثقافة: عندما تسمع مصطلحًا يجب أن تفهمه لئلا تقع في الخطأ، أو تنشر ما لا ينبغي.
·       ينبغي الحذر من الكذب على رسول الله ص ومن نقل الأحاديث الضعيفة، ففي الحديث أن الرسول ص قال (مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ) [الترمذي، ح2662، ابن ماجه، ح38، وهو صحيح]، وفي رواية صحيحة عند الإمام أحمد (ح903) بلفظ (مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحدُ الْكَاذِبِينَ)، ولك أن ترى الفيس بوك مثالاً على انتشار الكذب في الأحاديث النبوية الشريفة.
ولنضرب مثالًا عمليًا لأهمية هذا العلم لطلبة العلوم الشرعية على وجه الخصوص:
عندما تمر بطالب العلم الشرعي – أثناء قراءته كتابًا أو إعداده بحثًا – عبارات مثل العبارات التالية:
·       لا يلزمنا القول بهذا الحديث لأنه مرسل.
·       هذا الحديث مضطرب، لا يصح الاحتجاج به
·       في سند هذا الحديث الحجاج بن أرطأة، وهو مدلس.
كيف له أن يفهم المراد من تلك العبارات إن لم يكن عارفًا بمعاني المصطلحات (مرسل، مضطرب، مدلس) وهي من مصطلحات علم الحديث؟

بعد انحسار العاصفة

الآن وقد هدأت عاصفة الجدل حول الماراثون (المختلط) الذي نظمته جمعية تنظيم وحماية الأسرة في الخليل، ذلك الماراثون الذي استفز أهل هذه المدين...