2018/03/19

الأحاديث المردودة (الحلقة 14)


الأحاديث المردودة بسبب عدم الاتصال
تحدثنا في الحلقات السابقة عن الأحاديث المقبولة، أي التي تصلح للاحتجاج بها، وذكرنا أنها نوعان؛ الصحيح والحسن، وهما ينقسمان إلى صحيح وحسن لذاتهما، وصحيح وحسن لغيرهما، وأن وصف حديثين بأنهما صحيحين لا يعني بالضرورة أن لهما نفس المرتبة من الصحة، إذ مراتب الصحة متفاوتة.
وسنبدأ اليوم الحديث حول الأحاديث المردودة، والتي يندرج تحتها الأحاديث الضعيفة، والحديث الموضوع.

ما هي أسباب تضعيف الحديث؟

الحديث المقبول له شروط خمسة يجب أن تتوفر فيه ليكون مقبولًا، وهي: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبط الرواة، وسلامة الحديث من الشذوذ والعلة.
ومن المعلوم في الأصول أن الشرط يلزم من عدمه العدم، أي أنه إذا فُقِد الشرط، وهو هنا شرطُ القَبول، انتفى القَبول، فاستوجب الحديث الردّ.
ولذلك فإنه عندما يتم فقد أحد هذه الشروط الضرورية لقبول الحديث فإن الحديث يصبح غير مقبول، أي مردودًا.
وعليه فإن الحديث الضعيف عمومًا: هو الحديث الذي فقد أحد شروط الصحة.
ويكفي هنا فقد شرطٍ واحد من شروط الصحة، إذ الشروط كلها مطلوبٌ تحققها معًا للحكم على الحديث بالقَبول.
ولأجل ذلك تنقسم الأحاديث الضعيفة إلى أنواع عديدة، وذلك بحسب الشرط المفقود من شروط القبول في الحديث.
ففقد شرط (الاتصال) ينتج عنه أن الحديث يصبح ضعيفًا، وقد أطلق العلماء على الأحاديث الضعيفة نتيجة فقد هذا الشرط أسماءً تميز نوع الانقطاع فيها، ومن ذلك: المعلق، المرسل، المعضل، المنقطع، المدلس، المرسل الخفي.
وفقد شرط العدالة ينتج عنه أنواع من الحديث الضعيف، منها: الموضوع، المتروك، المنكر.
وينتج عن فقد شرط الضبط الحكم على الحديث الذي انفرد راويه غير الضابط به بأنه منكر، وفي حال خالف راويه الرواة الثقات قد تنتج عن هذه المخالفة أن يكون الحديث مدرجًا، أو مقلوبًا، أو مضطربًا، أو مُصَحَّفًا.
أما فقد أحد الشرطين الأخيرين، فينتج عنه الحديث الشاذّ، والحديث المعلل.

لماذا يُحكم على الحديث (غير المتصل) بأنه ضعيف؟

قلنا أن الحكم على الحديث بالصحة (أو الحُسن) يقتضي توفر الشروط الخمسة السابقة فيه.
وعندما يكون الحديث منقطعًا (أي غير متصل)، بمعنى أن هناك حلقة مفقودة في السند، فإننا لا يمكن أن نتحقق من وجود شرطي (العدالة) و(الضبط) في الراوي الموجود في الحلقة المفقودة، إذ قد يكون الراوي الساقط من السند ضعيفًا (غير ثقة، أو غير ضابط).
وهناك حالات مال بعض علماء الحديث إلى الحكم على الأحاديث الواردة فيها بالصحة رغم وجود انقطاع لأنه ترجح لديهم أن الراوي الساقط ذكره من السند ليس ضعيفًا، أو لوجود دلائل تقوي الحديث، وستأتي معنا بعض هذه الحالات، ولكننا سنضرب عليها مثلًا واحدًا هنا لتقريب الصورة، وهو مراسيل الصحابة.
فقد وردت كثير من الأحاديث يرويها صحابة كرام لم يشهدوا أحداثها، مثل ما يرويه ابن عباس رضي الله عنهما من أحاديث متعلقة بالفترة المكية، إذ كان (ابن عباس) عندما توفي الرسول ﷺ ابن (13) سنة، في الراجح من الأقوال، فهو قد وُلد قبل الهجرة بـ (3) سنين، ومع ذلك فقد أخذ العلماء كافة بما يرويه ابن عباس وغيره من صغار الصحابة، ذلك أن رواياتهم تلك كانت عن الصحابة الكبار، والصحابة عدول بمجموعهم، فلا يضرُّ سقوط اسم الصحابي الذي روي عنه الحديث مباشرة.

ما هي أنواع الضعف الناتجة عن فقد شرط (اتصال السند)؟

الأصل أن الحديث الذي فيه انقطاع ضعيف، بغضّ النظر عن مكان هذا الانقطاع، غير أن علماء الحديث أطلقوا أسماءً اصطلاحية على الأحاديث الضعيفة بسبب انقطاع السند يمكن من خلالها تمييز نوع الانقطاع أو مكانه.
والانقطاع في السند قد يكون في أوله أو آخره أو وسطه، وقد يكون بفقد (حلقة واحدة) من حلقاته أو أكثر، وقد يكون ظاهريًّا أو خفيًّا.
** فإذا كان الساقط من (السند) راوٍ واحد، أو اثنان أو أكثر، بشرط عدم التوالي، ولم يكن الساقط في أول السند أو آخره، فقد أطلقوا عليه اسم (الحديث المنقطع).
** وإذا سقط من إسناد الحديث راويان فأكثر على سبيل التوالي، يسمى (الحديث المعضَل).
** أما إن الساقط من الإسناد في آخره، وهو مَنْ بعد التابعي، فإن الحديث يسمى (حديثًا مرسَلًا).
** وإذا كان السَقَط في أول الإسناد، بأن حذف الراوي من مبدأ إسناده راويًا واحدًا أو أكثر على التوالي، فإن الحديث هنا هو (الحديث المعلّق).
** أما إن روى الراوي عمّن لقيه ما لم يسمع منه، موهمًا أنه سمعه منه، أو عمّن عاصره ولم يلقه موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه، فإن هذا هو (الحديث المدلّس).
** والقسم الثاني من الحديث المدلّس، وهو أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يلقه، ما لم يسمع منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره كـ قال، أطلق عليه علماء المصطلح اسما خاصًّا به، وهو (المرسل الخفيّ)
وهكذا نجد أن العلماء قد قسموا الأسانيد التي فيها انقطاع حسب نوع الانقطاع ومكانه إلى (6) أنواع، وهي: المنقطع، المعضل، المرسل، المعلق، المدلس، المرسل الخفي.

وسنقوم في الحلقات القادمة – بمشيئة المولى سبحانه – بالتعريف بكل نوع من هذه الأنواع على حدة.

الحديث الصحيح لغيره، والحسن لغيره (الحلقة 13)


الحديث الصحيح لغيره، والحسن لغيره
حديثنا في الحلقة الماضية كان عن الحديث الحسن لذاته، وكنا قبل ذلك قد تحدثنا عن الحديث الصحيح لذاته، واليوم سنتحدث – بمشيئة الله تعالى – عن الحديثين الصحيح لغيره، والحسن لغيره.

ما معنى كون الحديث الصحيح مراتب متفاوتة وكذلك الحسن؟

ذكرنا أن الحكم على الحديث بأنه مقبول أو مردود مرجعه إلى توفر الظن الراجح لدينا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله، وأن تقسيم الحديث المقبول إلى صحيح وحسن يستند إلى مرتبة غلبة الظن التي توفرت لدينا، ولذلك فالصحيح ليس كله في مرتبة واحدة، بل تتفاوت مراتبه بتفاوت قوته، وكذلك الحسن.
ولنضرب مثالًا بـ (الأرقام) لتقريب الصورة:
** غلبة الظن تعني أن يكون احتمال صدور (القول) من المنسوب إليه فوق الـ (50%)، ودون الـ (100%)؛ لأن مرتبة أن يكون احتمال صدور القول من المنسوب إليه (100%) هي مرتبة اليقين.
** وعليه يمكن (للتقريب فقط) أن نقول أن الحديث إذا كان احتمال صدوره من قائله من (85% - 99%) هو حديث صحيح، وأن الحديث الذي يكون احتمال صدوره من قائله من (51% - 84%) هو حديث حسن.
** وبهذا يمكن لنا أن نفهم معنى أن الأحاديث الصحيحة ليست في مرتبة واحدة؛ فالحديث الذي يحصل على نسبة (99%) في أعلى درجات الصحة، ويأتي الذي يحصل على (92%) في مرتبة أدنى منه، ويكون الحديث الحاصل على (85%) في أدنى درجات الصحة.
** وكذلك الحديث الحسن، فالحديث الحسن الذي نسبة تحقق الظنّ الراجح فيه (80%) قريب من الصحيح، وهو أقوى بكثير من الذي درجة الظن الراجح فيه (60%) مثلًا.

 ما معنى كون الحديث صحيحًا لغيره؟

بناء على ما سبق توضيحه في جواب السؤال السابق، فإن الحديث الموصوف بأنه حديث حسن، انخفض في الحكم عليه عن أن يكون صحيحًا لوجود نوع خللٍ في راويه، وقد ذكرنا في حديثنا عن الحديث الحسن أن الذي يجعل رتبته أدنى هو أن (يخفَّ) ضبط راويه عن رواة الحديث الصحيح، ولكن ضبطه يكون أعلى من الذي يجعلنا نحكم على الحديث بالضعف، مع ضرورة أن تتوفر بقية الشروط المطلوبة ليكون الحديث مقبولًا، وهي الاتصال والعدالة والسلامة من الشذوذ والعلة.
وعندما يوجد عندنا حديث يرويه راوٍ نحن لا نعتمد على أن ضبطه لما يرويه في الدرجة العليا، ثم يأتي راو آخر مثله، فيروي الحديث نفسه، فيصير للحديث طريقان يشهد أحدهما لصحة الآخر، وذلك يجعل نفوسنا مطمئنة أن الشك الذي كان يداخلها من ناحية عدم ضبط الراوي قد زال بوجود شاهد معه يؤكد أنه ضبط حفظ هذا الحديث.
وهكذا فإن الحكم على الحديث من حيث طريقه المنفرد الأول يكون أنه (حديث حسن) لانخفاضٍ في مرتبة (ضبط) راويه، وكذلك الحكم على الحديث الثاني يكون أنه (حديث حسن) أيضًا؛ لنفس السبب، ولكن الحكم على الحديث بمجموع طرقه يصبح أنه حديث (صحيح)، وهذه الصحة لم تأت من توفرها في نفس سند الحديث من كل طريق منفصل؛ وإنما لوجود شيء خارج الحديث (الذي هو هنا بمعنى الطريق المنفصل)، وهو اجتماع أكثر من طريق تقويه، ولذلك يسمى هذا الحديث (الحديث الصحيح لغيره).
ويمكن تصوير هذا كله بالمعادلة التالية:
حسن لذاته + حسن لذاته = صحيح لغيره.

ما هو تعريف الحديث الصحيح لغيره؟

بناء على ما سبق من شرح، فإنه يمكن تعريف (الحديث الصحيح لغيره) بأنه:
الحديث الحسن لذاته إذا روي من طريق آخر مثله أو أقوى منه.
وسمي صحيحا لغيره؛ لأن الصحة لم تأت من ذات السند الأول، وإنما جاءت من انضمام غيره له.
والحديث الصحيح لغيره يأتي في مرتبة هي أعلى مرتبة من الحسن لذاته، ولكنه دون الصحيح لذاته.

ما هو الحديث الحسن لغيره؟

الحديث الذي ينزل عن مستوى الحديث الحسن هو الحديث الضعيف، وضعف الحديث له أسباب عديدة، ترتبط بفقد شروط الصحة والقَبول فيه.
ويساعد مجيء الحديث – أحيانًا – من عدة طرق في جبر الضعف الحاصل في الطريق التي نحكم عليها، مما يجعل الحديث الضعيف يرتقي في قوته ليصل إلى مرتبة الحديث الحسن.
ولكن يجب التنويه إلى أنّ هناك من أسباب الضعف ما لا يقبل الجبر والتقوية، مثل أن يعود سبب ضعف الحديث إلى وجود خلل في (عدالة الراوي) وذلك بأن يكون فاسقًا أو كاذبًا، فهذا لا يساعد مجيئه من طرق أخرى في تقويته.
ومن الحالات التي يمكن أن يتقوى فيها الحديث الضعيف فينهض ليصل مرتبة الحسن أن يكون الحديث ضعيفًا لمشكلة حاصلة في شرط (الاتصال) كوجود شخص مبهم أو مجهول في الحديث، أو لكون الراوي الثقة فيه من المدلّسين ولم يصرح بالسماع، ثم يأتي من طرق أخرى يأتي فيها سدٌّ لبعض الثغرات في الحديث، فيترسخ في نفس الذي يصدر الحكم على الحديث أن هذه الطرق تشهد للطريق الضعيف بأنّ له أصلًا.
وقد يكون الضعف بسبب أن الراوي قليل الضبط ضعيف الحفظ، وضبطه وحفظه دون المستوى الذي يقبل حتى للحديث الحسن، ثم يأتي من طرق أخرى بنفس اللفظ أو المعنى، فنستفيد منها أن تقصير الراوي في الضبط والحفظ قد انجبر بمجيء ما يشهد له.
وهذا الارتقاء في قوة الحديث، والذي يرفع مرتبته من الضعيف إلى الحسن، يكون بالنظر إلى مجموع طرقه، وليس إلى طريق منفردة منها.
ولذا تجد في الحكم على بعض الأحاديث قول العلماء: هذا حديث حسن، وهذا الإسناد ضعيف.
وقد يكون هذا بمعنى أن الحديث حسن بمجموع طرقه، مع أن الإسناد عند انفراده ضعيف، أو أن يكون الحديث قد ورد من طريق حسن لذاته غير هذه الطريق

ما هو تعريف الحديث الحسن لغيره؟ وما هو حكمه؟

يمكن تعريف (الحديث الحسن لغيره) بأنه: الحديث الضعيف الذي تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
والحديث الحسن لغيره من نوع الأحاديث المقبولة للاحتجاج بها، ولكنه أدنى مرتبة من الحسن لذاته، ويستفاد من معرفة المرتبة في الترجيح بين الأدلة عندما تتعارض ولا يمكن الجمع بينها، فيتوجب ردّ بعضها، فيُردُّ الأقل قوة ويؤخذ بالأقوى.

الحديث الحسن لذاته (الحلقة 12)


الحديث الحسن لذاته
تحدثنا في الحلقة السابقة عن الحديث الصحيح، وذكرنا أن هناك (5) شروط ينبغي توفرها للحكم على الحديث بأنه صحيح، وهي: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبط الرواة، وسلامة الحديث من الشذوذ والعلة.
وفقد أي شرط من هذه الشروط ينزل بمرتبة الحديث، إذ – كما أسلفنا – فإن الأحاديث غير المتواترة تفيدنا غلبة الظن بأنها صدرت عمّن رويت عنه، وكلما انخفضت مرتبة (غلبة الظنّ) هذه ضعفت قوة الحديث، وضعف عن أن يصلح للاستدلال به، حتى إذا وصل الحديث لمرتبة أن يغلب على ظننا عدم صدوره عن قائله، سقط الاستدلال به.
وليست هذه الشروط بنفس التأثير، بل إن بعضها قد ينجبر بتقويته بأمور أخرى.
وحديثنا اليوم عن تأثير انخفاض مستوى (الضبط) عند الراوي (العدل)، مع عدم وصوله إلى مرحلة اتصافه بأنه (غير ضابط)، وهو ما ينتج عنه (الحديث الحسن لذاته).  
ما هو الحديث الحسن لذاته؟
للعلماء في تعريف الحديث الحسن عبارات متباينة، وبعضها لا يصلح كـ (تعريف) لأنه يُدخل فيه الحديث الصحيح، فيكون التعريف غير مانع.
وبعضهم عرف الحديث الحسن لغيره، وترك تعريف حديث الحسن لذاته.
وعلى العموم فإن الحديث الحسن يأتي في مرتبة متوسطة بين الصحيح والضعيف، فهو قد ارتَقَى عن درجة الضعيف، ولكنه لم يَبلُغ درجةَ الصحَّة.
والخلل الذي ينزل بالحديث من مرتبة الصحة إلى ما هو أدنى منها هو الخلل في (ضبط) راوٍ من رواته، بشرط ألّا يختلّ الضبط لدرجة استحقاق الحديث الردّ.
وعليه فإن التعريف الأرجح والأدقّ للحديث الحسن لذاته، هو أنه:
(ما اتصل سنده بنقل العدل الذي خف ضبطه، عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة).

فهو يشارك الحديث الصحيح في (4) من شروطه الـ (5)، ويفترق عنه في أن راوي الحديث الصحيح متميز بالضبط والإتقان، بينما (خفَّ) ضبط راوي الحديث، وقلَّ إتقانه عن مستوى راوي الحديث الصحيح، فحكمنا عليه بأنه في درجة دون درجة الصحيح، ولكن لأن أصل (الضبط) موجود عنده، مع أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، ولكنه مع ذلك يرتفع عن حال من يُعدُّ ما ينفرد به من حديثه منكرًا، فلذلك لم يستحق الحكم عليه بالضعف، فجعلناه في مرتبة بين المرتبتين، أو جعلناه في أدنى مراتب الحديث الصحيح.
ما هو حكم الحديث الحسن؟
الحديث الحسن يعتبر من نوع (الحديث المقبول) أي الذي يصلح للاحتجاج به، والذي يشمل الحسن والصحيح.
فالحديث الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة، ولذلك احتج به جميع الفقهاء، وعملوا به، وعلى الاحتجاج به معظم المحدثين والأصوليين، إلا من شذ من المتشددين. وقد أدرجه بعض المتساهلين في نوع الصحيح، كالحاكم، وابن حبان، وابن خزيمة، مع قولهم بأنه دون الصحيح المبين أولا.
ما هي مراتب الحديث الحسن؟
ومع مشاركة الحديث الحسن للحديث الصحيح في صلاحيته للاحتجاج به، فإنه يشاركه أيضًا في انقسامه إلى مراتبَ بعضُها فوقَ بعضٍ.
وقد نبّه الذهبي إلى أن أعلى مراتب الحديث الحسن هو ما اختلف العلماء في تصحيح حديث رواته وتحسينه، فبعض الرواة أو الأسانيد ذهب فريق من العلماء للحكم عليها بالصحة، وفريق للحكم عليها بالحُسن، وهذه الطرق تعتبر من أعلى طرق الحديث الحسن.
ومن أمثلتها:
** ما يرويه (بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده).
** وما يريه (عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده).
** وما يريه (ابن إسحاق، عن التيمي).
وأمثال ذلك.
فهي أسانيد حكم لها بعض المحدثين بالصحة، وهي تأتي في أدنى مراتب الصحيح.
وهناك مرتبة دنيا للحديث الحسن، وهي عندما يكون خلاف العلماء في الحكم على الراوي أو السند بين التحسين والتضعيف، فهذه تعتبر في أدنى مراتب الحديث الحسن.
ومن مثلتها ما يرويه (الحارث بن عبد الله)، و(عاصم بن ضمرة)، و(حجاج بن أرطاة)، ونحوهم من المحدثين.
ما معنى قول الترمذي حديث حسن صحيح؟
استخدم عدد من العلماء، وأشهرهم الترمذي في سننه، مصطلحًا يصفون فيه الحديث بأنه (حديث حسن صحيح).
وقد استشكل العلماء هذا الوصف من حيث أن الحديث الحسن يتقاصر عن درجة الحديث الصحيح، ففي الجمع بين الوصفين في حديث واحد جمع بين نفي ذلك القصور وإثباته، فكيف يجمع بينهما مع تفاوت مرتبتهما؟
وقد حاول عدد من العلماء استنباط ما قد يكون مقصود الترمذي من استخدامه هذا الوصف، ولهم في ذلك أقوال متعددة، منها:
** أن معنى ذلك أن الحديث مروي بإسنادين، أحدهما إسناد حسن، والآخر إسناد صحيح، فيقال فيه إنه حديث حسن صحيح، أي إنه حسن بالنسبة إلى إسناد، صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر.
وفي هذه الحال يكون الحديث الموصوف بذلك أعلى مرتبة من الموصوف بالصحة فقط؛ لأن مقتضى هذا الوصف أن له أكثر من إسناد مقبول، وذلك أقوى من مجيء الحديث بإسناد واحد.
غير أن هذا يَرد عليه اعتراض وجيه، وهو أن الترمذي يقول في بعض الأحاديث (وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ)، مما يعني أنه ليس له إلا إسناد واحد يدور عليه.
** أنه يعني بذلك (حسن المعنى)، فالمراد بالحسن هنا معناه اللغوي، وهو: ما تميل إليه النفس ولا يأباه القلب، دون المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصدده، فهو (حَسَنٌ) باعتبار المتن، (صحيح) باعتبار الإسناد، وعليه فكأنه يقول هذا حديث صحيح الإسناد حسن المعنى.
غير أن هذا التأويل يَرِدُ عليه أن الترمذي يقول ذلك في أحاديث مروية في صفة جهنم، وفي الحدود والقصاص، ونحو ذلك، وكذلك فإن من مقتضى ذلك جواز إطلاق وصف (الحَسَنِ) على بعضِ الأحاديث الموضوعة التي لها معانٍ حسنة، ولا قائلٌ بهذا من أهل العلم.
** أن هذا القول يشير إلى تردد القائل في الحكم على الحديث، هل اجتمعتْ فيه شروط الصحة أو قصَّر عنها؟! فيكون الحديث حسنًا؛ باعتبارِ وصفه عند قومٍ، صحيحًا باعتبارِ وصفهِ عند قومٍ آخرين، فعبّر بهذه العبارة، وكأنه يقول (حديث حسن أو صحيح).
وعلى هذا؛ فما قيلَ فيه حَسَنٌ صحيحٌ؛ دون ما قيل فيه: صحيحٌ؛ لأنَّ الجزمَ أَقوى من التَّردُّد.
** أن هذا الوصف يفيد تشريب الحكم بالصحة على الحديث بالحُسْن، وعلى هذا يكون ما يقول فيه (حسن صحيح) أعلى رتبة عنده من (الحسن)، ودون (الصحيح)، ويكون الحديث الموصوف بأنه (حسن صحيح) في درجة متوسطة بين الصحيح والحسن، ويكون حكمه على الحديث بالصحة المحضة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن.
وقد اختار ابن حجر أن الوصف بـ (حسن صحيح) يختلف معناه عندما يكون الموصوف به حديثًا جاء بأكثر من سند، عن معناه عندما يكون الحديث (غريبًا)؛ أي له سند واحد.
فإن كان الحديث مرويًّا بأكثر من سند، ووصف بذلك، فإن معنى ذلك أنه (حسن باعتبار إسناد، صحيح باعتبار إسناد آخر).
وإذا كان له إسناد واحد، فإن معنى وصفه بذلك أنه (حَسَنٌ عند قوم من المحدثين، صحيحٌ عند قوم آخرين) أو أن قائل ذلك لم يترجح لديه الحكم بأحدهما، فهو متردد في وصفه بالحسن أو الصحة.

lمن شروط الحديث الصحيح، السلامة من العلة (الحلقة 11)


السلامة من العلة
تحدثنا في الحلقة الماضية عن أن السلامة من الشذوذ شرط من شروط صحة الحديث، وكنا قد ذكرنا قبلها أن شروط صحته خمسة، وهي: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبط الرواة، والسلامة من الشذوذ، ومن العلّة.
وحديثنا اليوم عن الشرط الخامس والأخير من شرط صحة الحديث، وهو شرط (السلامة من العلة).
ما هي العلة؟ وما هو الحديث (المعلّل)؟
العِلَّة في اللغة هي: الْمَرَضُ، ويقال لصاحبها (مُعْتَلٌّ) و(عَلِيلٌ).
وفي الاصطلاح، هي: سبب غامض خفي قادح في صحة الحديث.
وعليه فالحديث المعلل في الاصطلاح هو: الحديث الذي اطُّلِع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر السلامة منها.
·       ملاحظة:
القياس في اللغة أن يقال: حديث مُعَلٌّ، أو معلول، ولكن علماء الحديث استخدموا اللفظ على غير القياس.
ما هي شروط العلّة؟
حتى تسمى الصفة التي تؤثر في الحديث (علّة) اصطلاحًا اشترط العلماء لها شرطان: 
(1) الغموض والخفاء.
(2) القدح في صحة الحديث.
فإن اختل واحد منهما، كأن تكون العلة ظاهرة، أو غير قادحة، فلا تسمى عندئذ علة اصطلاحًا.
ملاحظة:
·       بعض العلماء يطلقون (العلة) أحيانا على أي طعن موجه للحديث، وإن لم يكن هذا الطعن خفيًّا، أو قادحًا. 
   ** فمن النوع الأول (الطعن الظاهر) تعليلهم ضعف الحديث بكذب الراوي، أو غفلته، أو سوء حفظه، أو نحو ذلك.
   ** ومن النوع الثاني (التعليل غير القادح بالصحة)، التعليل بمخالفة لا تقدح في صحة الحديث، كإرسال ما وصله الثقة.
لماذا اعتبر العلماء الحكم باعتلال الحديث أمرًا صعبًا؟
اعتبر العلماء معرفة (علل الحديث) من أَجَلِّ علوم الحديث، وأَدَقِّها؛ لأنه يحتاج إلى كشف العلل الغامضة الخفية التي لا تظهر إلا للجهابذة في علوم الحديث. وإنما يتمكن منه ويقوى على معرفته أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، ولهذا لم يخض غماره إلا القليل من الأئمة، كابن المديني، وأحمد، والبخاري، وأبي حاتم، والدارقطني.
وسبب ذلك أن التعليل يتطرق إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، والجامع شروط الصحة من حيث الظاهر؛ لأن الحديث الضعيف لا يحتاج إلى البحث عن علله؛ إذ إنه مردود لا يعمل به.
كيف تكتشف العلة؟
سبب العلة في الغالب وَهْمٌ وقع من راوي الحديث، وهو ثقة، ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن أخرى تنضمُّ إلى ذلك تُنَبّه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وَهْمِ وَاهِمٍ بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه.
ويستعان على إدراك العلة بأمور، منها: تفرد الراوي، ومخالفة غيره له، مع وجود قرائن أخرى تنضم إلى ذلك، فيغلب على ظن العالم وجود تلك العلّة، فيحكم بعدم صحة الحديث.
ولذلك فالسبيل إلى معرفة علة الحديث أن تُجمع طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط، وقد قال علي بن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه".
ما هي أهم العلل التي تصيب الحديث؟
تعليل الحديث علمٌ فيه غموض، ولا يتمكن منه إلا الجهابذة الذين جمعوا طرق الأحاديث، واتسعت معرفتهم بعلم الجرح والتعديل وأحوال الرواة، وتمتعوا بمَلَكة الانتباه والإدراك لدقائق الأمور، ولذلك لم يجر تعليل الأحاديث على قانون واحد ظاهر يستعمل فِي جمِيع الأحاديث.
وكما كنا قد سبق وذكرنا فإن الحكم على الحديث بالصحة هو حكم بأنه (يغلب الظن) بأن الرسول ﷺ قاله، والعلة تأتي فتجعل العالم المتبحر متشكّكًا في حصول (غلبة الظن) هذه، ولذا يمتنع من الحكم بصحة الحديث.
ومشكلة علم العلل أن الرواة الذين يقعون في هذه الأخطاء القادحة في الحديث هم ثقات الرواة، ولذلك قد يتسرع (طالب علم) بالحكم على حديث بأنه صحيح لأن رواته ثقات ولا ينتبه إلى وجود (علة) مانعة من الحكم بصحة الحديث، وكما أسلفنا، فإنها لا تكتشف إلا بجمع طرق الحديث.
أما أهم الأخطاء التي يقع فيها الثقات وتستدعي (تعليل) الحديث، فهي:
ü    وصل حديث، الصحيح فيه الإرسال.
ü    رفع حديث، الصحيح أنه موقوف.
ü    إدخال حديث في حديث.
ü    إبدال راوٍ بآخر.
هل كل العلل قادحة في صحة الحديث؟
العلة قد توجد في متن الحديث، وقد توجد في سنده، والعلل الموجودة في الأسانيد هي الأكثر.
وقبل الإجابة عن السؤال أعلاه نذكّر بأن علماء الحديث كانوا يعتبرون كل طريق للحديث حديثًا منفصلًا، فلو افترضنا أن صحابيا روى حديثًا، ورواه عنه (3) من التابعين، ورواه عن التابعين الثلاثة (10) من تلاميذهم، ورواه عن هؤلاء التلاميذ (تابعي التابعين) (50) من الرواة، فإن العلماء يعتبرون أن هناك (50) حديثًا، مع أن المحصلة أن المتن المروي متنٌ واحد، وهذا يفسر ما روي عن حفظ علماء الحديث لمئات الآلاف من الأحاديث، كما روي عن البخاري أنه كان يحفظ ستمئة ألف حديث.
وعليه:
فوجود العلة قد يؤدي إلى الحكم على الحديث كله (أي على متنه) بالضعف وعدم الصحة، فمثلًا: إذا كان لدينا حديث رواه تابعي عن صحابي، ورواه راو واحد عن التابعي، ورواه عن تابع التابعي (10) من الرواة، فعندنا هنا (10) أحاديث، (وفق حسابات أهل الحديث)، فإذا كانت العلة في السند في أوله، عند تابع التابعي مثلًا، وكانت علة قادحة، فإنها تتسبب بالحكم على الحديث بالضعف من كل طرقه.
وهناك حالات توجد فيها العلة، وتتسبب بالحكم بالضعف على (طريق) واحدة من طرق الحديث، أو على (عدة طرق)، وتبقى (بقية طرق) الحديث على الصحة، فيكون متن الحديث صحيحًا، وتكون تلك الطريق ضعيفة، وفائدة ذلك أن المتن قد يختلف قليلًا بين طريق وأخرى، ويكون في الاختلاف ما يؤدي لاختلاف الحكم المستنبط من الحديث، فبيان (الطريق المعلل) منها وأنه ضعيف، وتمييز الطريق المحكوم له بالصحة يساعد الفقيه على الاستدلال الصحيح.

من شروط الحديث الصحيح، السلامة من الشذوذ (الحلقة 10)


السلامة من الشذوذ
تحدثنا في الحلقات السابقة عن شروط صحة الحديث، وبيّنّا معاني الشروط الثلاثة الأولى منها؛ وهي: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبط الرواة.
وحديثنا اليوم عن شرط آخر من تلك الشروط الخمسة، وهو: السلامة من الشذوذ.

ما هو (الشذوذ) الذي يشترط عدم وجوده لصحة الحديث؟

الشذوذ في اللغة هو الانفراد والمفارقة.
ويقال عن يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم ولا منازلهم (شُذَّاذُ النَّاسِ)
أما في الاصطلاح، فالمعتمد أن الحديث الشاذّ هو: ما رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولى منه.
أو يقال: هو (رِوَايَة الثِّقَة خلاف النَّاس).
والذين هم أولى وأرجح من الراوي (المقبول) هم الأكثر عددًا، أو عدالة، أو ضبطًا.
هل من مثال لتقريب صورة الحديث الشاذ؟
من صور الحديث الشاذ أن يروي (5) مثلًا من تلاميذ عالم معيّن حديثًا عنه، وهم ثقات ضابطون لحديثهم، ويروون الحديث موقوفًا (أي هو قولٌ للصحابي)، ويرويه تلميذٌ سادس لذلك العالم، غير أنه يجعله مرفوعًا (أي من قول النبي ﷺ)، فنلاحظ هنا أن الراوي السادس هذا، وإن كان ثقة، غير أنه خالف من هو أولى منه، ولذلك لا تقبل منه هذه المخالفة، ونستنتج أنه لم يحفظ ذلك الحديث بعينه، فأخطأ فيه، ويُحكم على ذلك الحديث بالشذوذ.   

ما علاقة (الشذوذ) بـ (الضبط)؟

كنا قد ذكرنا أن الضبط هو (أن يسلم الراوي من الغلط الفاحش، وسوء الحفظ، والغفلة، وكثرة الأوهام، ومخالفة الثقات).
وأنه يعرف عبر مقارنة الأحاديث التي يرويها الراوي بأحاديث المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وافقهم غالبًا فهو ضابط، وكلما كثرت مخالفته لهم نزلت درجة ضبطه.
وعرّفنا (الشذوذ) هنا بأنه (مخالفة الراوي الثقة لمن هو أولى منه).
وهذا يقودنا إلى أن (الشذوذ) في أصله مشكلة متعلقة بـ (ضبط الراوي)، غير أن الفرق بين شرطي (الضبط) و(عدم الشذوذ) في شروط صحة الحديث يعود إلى أن الراوي الذي تكثر مخالفته لمن هو أولى منه (بالثقة أو بالكثرة) ينخفض تقييم مستوى ضبطه، حتى إذا كثرت مخالفاته لهم استحق الوصف بأنه (غير ضابط لحديثه)، واستحق الترك لأجل ذلك.
والراوي (الثقة)، أي الذي قد سبق لنا أن حكمنا له بأنه (ضابط لحديثه) يمكن أن يقع في حالات قليلة في مخالفة من هو أولى منه، إما لأنهم أكثر منه، أو أضبط منه، وهذا لا يكاد يخلو منه إنسان، ولكن هذه المخالفة لا تصل به إلى حدّ أن يوصف بعدم الضبط، إذ الحكم بالضبط يتعلق بمقارنة (أغلبية) ما يرويه الراوي، وفي نفس الوقت فإن مخالفة الراوي الذي وصفناه بـ (الضبط لحديثه) تدلُّ على أنه لم (يضبط) هذا الحديث الذي خالف فيه من هو أولى منه، ولذلك يوصف الحديث أو تلك الرواية بعينها بأنها (شاذّة)، ولا يوجب ذلك إسقاط الاستدلال بما يرويه الراوي الثقة، إذ الغالب على حديثه الضبط.
وخلاصة الموضوع:
أن الراوي إذا خالف الثقات فيما رواه (غالبًا) تبينَّا أنه (غير ضابط) فاستحق ردّ كل ما رواه.
وإذا خالف الثقات فيما يرويه (نادرًا) كانت مخالفته هذه شذوذًا، فاستوجب ذلك ردّ هذا الحديث الذي وقعت فيه المخالفة، وليس ردّ بقية روايات الراوي.
هل يعتبر انفراد الراوي بحديث شذوذًا؟
عرّف بعض أهل الحديث (الشاذّ) بأنه الحديث الذي ينفرد به الثقة، وليس له متابع، أو الحديث متوحد الْإِسْنَاد.
وهذا التعريف مردود، إذ لو رُدَّ الحديث الذي انفرد به ثقة لرُدت أحاديث كثيرة من هذا النمط وتعطلت كثير من المسائل عن الدلائل.
قال الشافعي: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس.
فالحاصل أن (انفراد) الراوي الثقة برواية حديث لا يعتبر (شذوذًا) إلى إذا رواه من هو أوثق منه وأولى على وجه مخالف.
والحديث الذي ينفرد به راوٍ واحد، له (3) حالات:  
(1) أن يكون المنفرد به عدلًا ضابطًا حافظًا، فحديثه صحيح مقبول.
(2) أن يكون المنفرد به غير حافظ، وهو مع ذلك عدلٌ ضابط: فحديثه حسن.
(3) أن ينفرد به من فقد هذه الشروط، فحديثه فمردود.

من شروط الحديث الصحيح، الضبط والعدالة (الحلقة 9)


الضبط والعدالة

تحدثنا في الحلقة السابقة عن الحديث الصحيح، وذكرنا أن هناك (5) شروط ينبغي توفرها للحكم على الحديث بأنه صحيح، وهي: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبط الرواة، وسلامة الحديث من الشذوذ والعلة.
وذكرنا أثناء حديثنا أن المقصود بـ (اتصال السند) هو: أن يتلقاه كل راو في السند من الذي فوقه فيه مباشرة.
وحديثنا اليوم عن شرطي (العدالة) و(الضبط) من شروط صحة الحديث.
وقبل الشروع في ذلك لدينا سؤال يجدر الوقوف عنده.
لماذا قلنا في شرط اتصال السند (أن يتلقاه) الراوي ممن هو فوقه، ولم نقل (أن يسمعه)؟
الجواب التفصيلي على هذا السؤال يأتي – بمشيئة الله – عند الحديث عن طرق (التحمّل والأداء) للعلم، أي كيفية تلقي التلميذ العلم (وهي طريقة تحمّل العلم)، وكيفية قيام الأستاذ بنقل العلم لتلاميذه (وهي طريقة أداء العلم).
أما الجواب المختصر على السؤال فهو أن تحمّل العلم (أي تلقيه، أو أخذه عمَّن حدث به)، وهو هنا (الحديث) لا يقتصر على (السماع)، فقد ذكر العلماء عدة طرق لتتلقي التلميذ العلمَ من أستاذه، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، وأهم هذه الطرق هي:
(1) السماع من لفظ الشيخ. 
(2) القراءة على الشيخ ويسمى: (العرض).
(3) الإجازة؛ وهي أن يأذن الشيخ للتلميذ بالرواية عنه.
(4) المناولة، وهي نوعان: مقرونة بالإجازة؛ ومجردة عن الإجازة.
(5) الْمُكَاتبَة، أو الكتابة. 
(6) الْإِعْلَام، وهو أن يخبر الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو هذا الكتاب سماعه. 
(7) الْوَصِيَّة، وهي أن يوصي الشيخ عند موته، أو سفره لشخص بكتاب من كتبه التي يرويها. 
(8) الوِجادة، وهي أن يجد الطالب أحاديث بخط شيخ يرويها، يعرف الطالب خطه، وليس له سماع منه، ولا إجازة.
ولهذه الأنواع مباحث تفصيلية، تأتي في موضعها بمشيئة الله تعالى.
ما معنى (عدالة الراوي)؟
كما قلنا: يشترط لصحة الحديث (عدالة الراوي).
والعدل من الناس في اللغة هو (المرضي المستوي الطريقة).
أما العدالة فللعلماء فيها تعريفات منها:
** هي مَلَكَةٌ تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة؟
** هي مَلَكَةٌ تحمل صاحبها على الاستقامة في الأقوال والأفعال.
** هي هَيْئَة قارة تحمل على اجْتِنَاب الْكَبَائِر وَلُزُوم الصَّغَائِر وخوارم الْمُرُوءَة.
** هي مَلَكَةٌ مانعةٌ عن اقتراف الكبائر والصغائر الخسيسة والرذائل المباحة.
والمراد بالتقوى:
** اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة (مع الخلاف بينهم في اشتراط نفي البدعة).
** اجْتِنَاب الْكَبَائِر وَلُزُومِ الصَّغَائِر.
أما المروءة فالمراد بها:
** السير بسيرة أمثاله في زمانه ومكانه.
** التوقي عن الأدناس.
** أن لا يعمل في السر ما يستحيا منه في العلانية.
وقد عدّ السابقون من العلماء من الأمور المسقطة للمروءة في زمانهم: الأكل في السوق، والمشي مكشوف الرأس، والإكثار من الحكايات المضحكة، ولبس الفقيه قباء أو قلنسوة حيث لا يعتاد، وهي أمور تتغير بتغير الزمان والمكان، فليس بالضرورة أن تعتبر مسقطة للمروءة في زماننا، إذ المسألة لها علاقة بالعرف السائد المرتبط بـ (الزمان والمكان).
ومهما اختلف العلماء في التعبير عن مفهوم (العدالة)، فإنهم متفقون على مضمونه، وهو أن العدالة: مَلَكَةٌ تحمل صاحبها على الاستقامة في الأقوال والأفعال.
وعليه فـ (العَدْلُ) هو: المسلم البالغ العاقل السليم من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
وفقد صفة العدالة في سلسلة رواة الحديث، ولو كان واحدًا منهم، يتسبب بالحكم على الحديث بالضعف، والأحاديث المردودة بسبب وجود مشكلة في العدالة هي: الموضوع، والمتروك، والمنكر.
ما المقصود باشتراط (ضبط الراوي)؟
أصل (الضبط) في اللغة يدل على القوة واللزوم والحفظ، والضابِطُ هو الْقَوِيُّ عَلَى عمَلِه.
والمراد بـ (الضبط) عند استخدامه في مصطلح الحديث هو:
أن يسلم الراوي من الغلط الفاحش، وسوء الحفظ، والغفلة، وكثرة الأوهام، ومخالفة الثقات.
كيف يعرف ضبط الراوي؟
الحكم على الراوي ودرجة ضبطه يعتمد على مقارنة حديثه الذي يرويه بحديث أهل الضبط والإتقان، فإن وافقهم غالبًا فهو ضابط، وكلما كثرت مخالفته لهم نزلت درجة ضبطه.
ما هي أقسام الضبط؟
ليس المقصود بالضبط أن يكون المحدث حافظًا للحديث في ذاكرته، إلا إن كان يحدّث من حفظه دون الرجوع إلى كتاب.
أما إن كان يروي حديثه من كتابه، فالضبط المقصود هنا هو أن يكون ضابطًا لكتابه، وضبط الكتاب هو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه، ويُعرَف من إتقانه كتابته، ومن معرفة الراوي لكتابه واستطاعته تمييز ما سمعه في كتابه وما قد يكون زيد فيه.
والكتاب المتقن الموثق حجة عند أهل العلم، بل هو ميزان، ودليل على صحة الحفظ، ومقوم لخلله، فإن الحفظ خَوَّان، والحافظ بشر جائز عليه الوهم والخطأ، لا سيما مع طول الأسانيد.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "ما رأيت أبي، رحمه الله، حدث من غير كتاب، إلا بأقل من مئة حديث".
وقال أحمد بن حنبل: "ما كان أقل سقًطًا من ابن المبارك، كان رجلًا يحدث من كتابه، ومن حدث من كتاب لا يكاد يكون له سقط كبير شيء، وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل؟".
وقد قال العلماء في تبيان معنى الضبط أن يكون الراوي (حافظًا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه)، وعليه فقد اعتبروا الضبط قسمين:
** ضبط صدر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء.
** ضبط كتاب.
ما حكم الحديث الذي يوجد خلل في (ضبط) أحد رواته؟
صفة (الضبط) تتفاوت من شخص إلى آخر، فبينما هناك من يتمتعون بدرجة عالية من (الضبط والإتقان) بحيث يصلحون ليكونوا معيارًا يقاس به غيرهم، تجد آخرين ينزلون عن هذا المستوى بدرجات متفاوتة.
ولأن صفة الكمال لا توجد في البشر، فإنه لا يمكن أن نجد من لا يخطئ مطلقًا، وإنما يتم الحكم على مستوى (ضبط) الراوي بحسب قلة وكثرة أخطائه؛ فبينما قد يكون هناك من لا يخطئ إلا في النادر من رواياته، ( ولنقل – على سبيل المثال – لا يخطئ إلا في أقل من 5% من رواياته)، وهذا يمكن وصفه بأنه (ضابطٌ لحديثه)، قد يكون هناك من لا يكاد يذكر رواياته على الصواب، فتراه يخطئ مثلًا في أكثر من (50%) مما يرويه، وهذا يعتبر منعدم الضبط لا يعوّل على ما يرويه، وبين هذين تجد مراتب متفاوتة، فالذي يخطئ بنسبة (10%) ليس كالذي يخطئ بنسبة (20%) وهكذا.
ولأجل ذلك فإن مراتب الحديث المقبول تتباين، فحتى الحديث الصحيح ليس بمرتبة واحدة، وذلك بسبب تفاوت رواته في صفة (الضبط)، فحديث كل رجال سنده ممن يتمتعون بالمرتبة العليا من (الضبط)، أي أن نسبة الخطأ عندهم لا تتجاوز الـ 5% مثلًا، لا يكون في مستوى صحته كحديث في رجال سنده من نسبة خطئه في حديث (15%) مثلًا، أي أن مستوى ضبطه أقل، فهذا وإن حكمنا على حديثه بالصحة إلا أن رتبته دون رتبة الأول.
ما تأثير التباين في (ضبط) الراوي على صحة الحديث؟
كما قلنا فالضبط مراتب متفاوتة، وبناء عليها يتم الحكم على الحديث، فالذين يتمتعون بالمرتبة العليا فيه يكون حديثهم صحيحًا، بينما كلما انخفضت درجة الضبط انخفضت مرتبته، حتى يصل إلى أن ينزل من رتبة (الحديث الصحيح) إلى (الحديث الحسن)، وهو حديث مقبول للاحتجاج به، ولكنه دون الصحيح في الرتبة بسبب الخلل في (ضبط) راويه، حتى إذا كان الخلل في ضبط الراوي كبيرًا انتقل الحديث من حيّز الأحاديث المقبولة (الصحيحة والحسنة) إلى حيز الأحاديث المردودة (الضعيفة).
والأحاديث التي يكون ضعفها بسبب خلل في ضبط (رواتها) أنواع عديدة، منها: المضطرب، والَمقْلُوبُ، والمدرج.
هل يمكن أن يكون (الضبط) نسبيًّا؟
نعني بـ (الضبط النسبي) أن يكون ضبط الراوي قويًّا أو ضعيفًا بالنسبة لشيء معين، كالزمن أو الأشخاص.
والضبط يمكن أن يكون نسبيًّا:
** فمن ناحية الزمن
يمكن أن يكون الراوي حافظًا ضابطًا في زمن ما، ثم يطرأ عليه ما يغير (ضبطه) مثل مرضٍ أو كبر سنّ، ومعلوم أن الإنسان عندما يدخل مرحلة الشيخوخة تضعف ذاكرته، ويقلُّ تركيزه في كثير من الأحيان، وقد يصل الأمر به إلى أن يفقد الذاكرة، وقد عبّر علماء الجرح والتعديل عن ذلك بوصف (الاختلاط).
والاختلاط آفة عقلية تورث فسادًا في الإدراك، وتصيب الإنسان في آخر عمره، أو تعرض له بسبب حادث ما، كفقد عزيز، أو ضياع مال، ومن تصيبه هذه الآفة لكبر سنة يقال فيه: اختلط بأخرة.
فهؤلاء كانوا يتصفون بـ (الضبط) في مرحلة زمنية ما، ثم فقدوا هذه الصفة في مرحلة زمنية أخرى، وقد بيّن العلماء أن حديث أمثال هؤلاء يقبل ممن أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يُدرَ هل أخذ عنهم قبل اختلاطهم أو بعده.
** ومن ناحية الأشخاص
يمكن للراوي أن يكون (ضابطًا) لحديث شخص ما من شيوخه، لطول ملازمته له مثلًا، بينما يكون (ضعيف الضبط) في ما يرويه عن شيوخ آخرين.
ومن أمثلة ذلك ما ذكر في ترجمة (أبي الحسن الواسطي)، فقد قال عنه يحيى بن معين: "ثقة في غير الزهري لا يدفع، وحديثه عن الزهري ليس بذاك، إنما سمع منه بالموسم". فهو هنا قد بيّن لنا أن حديث الواسطي هذا صحيح مقبول لأنه ثقة، وهذا يتضمن أنه ضابط لحديثه، غير أنه استثنى ما رواه عن (الزهري) فأحاديثه عن الزهري ضعيفة، وسبب ضعفها أنه لم يكن ضابطًا لها، فهو لم يكن من كبار أصحاب الزهري، وإنما لقي الزهري في موسم الحج وسمع منه تلك الأحاديث ولم يتمكن من حفظها وضبطها، واختلطت عليه تلك الأحاديث، فصار يروي عن الزهري أشياء خالف فيها سائر من روى عنه.

بين فتح الله لك وفتح الله عليك


هل نقول (فتح الله لك) أم (عليك)؟
وجدت على صفحة بعض الأصدقاء منشورًا يزعم أن استخدام تعبير (فتح الله عليك) لا ينبغي؛ لأن (فتح الله على ...)  لم تأت إلا في سياق العذاب، وأن الصواب أن يقال (فتح الله لك).
وقد أثار المنشور فيَّ الفضول العلمي، فبحثت عن أصله، وهالني أني وجدته منتشرًا على صفحات الفيسبوك بشكل كبير، ومنذ عدة سنوات، ويقوم بعض الأحباب والأفاضل بمشاركته ظانّين أنهم بذلك يدلّون الناس على الخير والصواب والحق.
ولتبيان خطأ مضمون هذا المنشور، أقول مستعينًا بالله سائلًا إياه أن يفتح عليَّ.
عبارة (فتح الله لك) و(فتح الله عليك) تستخدمان أحيانًا بدلًا من بعضهما البعض، مما يدل على إفادتهما تفس المعنى في بعض الأحيان.
ومن أمثلة ذلك:
** ما رواه البخاري وغيره عن أم سلمة لقالت: دخل عليَّ النبي ص، وعندي مخنث، فسمعته يقول لعبد الله بن أبي أمية: يا عبد الله، أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدًا ... الخ


فقد ورد في روايات أخرى، عند البخاري أيضًا، وعند غيره بلفظ (إن فتح الله لكم الطائف غدًا...)
*********
والتعبير بـ (فتح الله عليه) وارد في كثير من الأحاديث الصحيحة، ومنها:
·       ما رواه البخاري ومسلم من أن رسول الله ص كان يؤتى بالرجل المتوفى، عليه الدين، فيسأل: (هل ترك لدينه فضلا؟)، فإن حُدّث أنه ترك لدينه وفاءً صلى، وإلا قال للمسلمين: (صلوا على صاحبكم)، فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا، فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته).
·       ما رواه البخاري ومسلم أيضًا عن أبي هريرة قال: لما فتح الله على رسوله ص  مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ..... الخ
وغير هذا كثير.
*********
والزعم بأن عبارة (فتح الله عليه) لم ترد في القرآن إلا في باب العذاب فيها مغالطة.
فقد ورد هذا التعبير في عدة آيات بمعانٍ إيجابية، منها:
** قوله تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [البقرة: 76]
وقد قال الإمام الطبري في تفسيره (2/ 254):
"وأصل (الفتح) في كلام العرب: النصر والقضاء، والحكم. يقال منه: اللهم افتح بيني وبين فلان، أي احكم بيني وبينه .... فإذ كان كذلك. فالذي هو أولى عندي بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى خلقه؟"
وبالطب فإن بعث محمد ص نعمة وليس نقمة.
** قوله تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام: 44]
وقد قال القرطبي في تفسيره (6/ 426):
"ومعنى (فتحنا عليهم أبواب كل شيء) أي من النعم والخيرات، أي كثّرنا لهم ذلك. والتقدير عند أهل العربية: فتحنا عليهم أبواب كل شيء كان مغلقًا عنهم.
** قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف: 96]
وقال الماتريدي في تفسيره (4/ 510):
"(لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ. . . .) الآية. أي: لأعطوا كل خير ينال من السماء والأرض، والبركة ما ينال من كل خير على غير مؤنة، وقيل: البركة: كل شيء ينال بلا تبعة عليه ولا شدة".
** قوله تعالى (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) [الحجر: 14، 15]
وقد قال ابن كثير في تفسيره (4/ 528): "يخبر تعالى عن قوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق: أنه لو فتح لهم بابا من السماء، فجعلوا يصعدون فيه، لما صدقوا بذلك، بل قالوا: سكرت أبصارنا".
وقال الزمخشري في تفسيره (2/ 573): "والمعنى أنّ هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد: أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها، ورأوا من العيان ما رأوا، لقالوا: هو شيء نتخايله لا حقيقة له، ولقالوا قد سحرنا محمد بذلك."
لاحظ هنا أن الزمخشري وابن كثير فسّرا (لهم) بـ (عليهم) وهذا دلالة على جواز استخدام الكلمتين بمعنى واحد.
********
وقد استخدم العلماء هذا التعبير أيضًا في كتبهم
** قال حاجي خليفة في (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، 1/ 160) في تعريفه لكتب الأمالي:
"الأمالي، هو جمع الإملاء، وهو: أن يقعد عالم، وحوله تلامذته بالمحابر، والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله - سبحانه وتعالى - عليه من العلم، ويكتبه التلامذة، فيصير كتابا، ويسمونه: الإملاء، والأمالي".
** وقال الإمام أبو شامة المقدسي (المتوفى سنة 665 هـ) في كتابه (خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول) وهو في أصول الفقه: "لم أزل منذ فتح الله عليَّ الاشتغال بعلم الشريعة...".
** وقال الإمام القُرافي المالكي (المتوفى سنة 682 هـ) في كتابه (العقد المنظوم في الخصوص والعموم): "ولما عرض لي هذا السؤال أقمت مدة طويلة من الزمان لا أجد له جوابا، وأنا أستشكله واستصعبه، وكذلك جماعة من الفضلاء، حتى فتح الله (عليّ) بهذا الجواب وهذا الفرق، فذكرته لهم، فأستحسنوه وسروا به".
** وقال الإمام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى، 2/ 452) في رسالة له إلى أحد العلماء: "من أحمد ابن تيمية: إلى الشيخ العارف القدوة السالك الناسك أبي الفتح نصر فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وإخفائه .."
** وقال الإمام ابن الجزري (المتوفى سنة 833 هـ) في كتابه (النشر في القراءات العشر): "ولا زلت أستشكل هذا الحديث وأفكر فيه وأمعن النظر من نيف وثلاثين سنة حتى فتح الله عليَّ بما يمكن أن يكون صوابا إن شاء الله".
والهدف من هذه النقول بيان أن العلماء كانوا يستخدمون عبارة (فتح الله عليّ) بمعنى إيجابي محمود.
نسأل الله أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.
19/3/2018


2018/03/17

الحديث الصحيح (الحلقة 8)


الحديث الصحيح 
تحدثنا سابقًا أن الأحاديث – عند المحدثين – تنقسم إلى:
** أحاديث مقبولة، وهي التي يغلب على الظنّ أن الرسول ص قالها، وهي نوعان؛ الحديث الصحيح، والحديث الحسن.
** وأحاديث مردودة، وهي التي يغلب على الظن أن الرسول ص لم يقلها، وهي الأحاديث الضعيفة بأنواعها.   
وحديثنا اليوم عن الحديث الصحيح.

ما هو الحديث الصحيح؟

أصل الفعل (صَحّ) يدلُّ على البراءةِ من المرضِ والعيبِ، والصِحَّةُ: هي ذهابُ السَّقَم، والبَراءةُ من كل عَيْب ورَيْب.
ويقال: صحَّ الخبرُ؛ بمعنى (ثَبَتَ).
أما في الاصطلاح فقد عرّف علماء المصطلح الحديث الصحيح بأنه:
(ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط، عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ، ولا علة).
وهذا التعريف يتضمن الشروط اللازم توفرها في الحديث ليُحكم عليه بالصحة، وهي: 
(1) اتصال السند. 
(2) عدالة الرواة، أي اتصاف كلّ واحدٍ منهم بأنه: مسلم، بالغ، عاقل، غير فاسق، ولا مخروم المروءة. 
(3) ضبط الرواة، وذلك إما ضبط صدر، أو ضبط كتاب. 
(4) عدم الشذوذ، والشذوذ: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه. 
(5) عدم العلة، والعلة: سبب غامض خفي، يقدح في صحة الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه.
هل الحكم بصحة الحديث يفيد القطع بما فيه؟
الحكم بالصحة والضعف على الحديث حكمٌ بالظاهر، فقولنا: "هذا حديث صحيح" يعني أن الشروط الخمسة السابقة قد تحققت فيه، لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة.
ومثل ذلك قولنا: "هذا حديث غير صحيح"، فإنه يعني أنه لم تتحقق فيه شروط الصحة الخمسة السابقة كلها أو بعضها، لا أنه كذبٌ في نفس الأمر؛ لجواز إصابة من هو كثير الخطأ.
وهناك خلاف بين العلماء في نوع من الأحاديث الصحيحة، وهو خبر الآحاد الصحيح الذي احتفّت به قرائن تقويه، فقد ذهب بعضهم إلى أن هذه القرائن تصل به إلى مرحلة يفيد بها العلم القطعي اليقيني، وقال آخرون أنه حتى لو احتفّت به تلك القرائن المقوّية له فلا يصل إلى مرتبة القطع واليقين ما لم يكن متواترًا، وهذا المبحث من مباحث علم الأصول، وليس من مباحث علم مصطلح الحديث، وإنما ذكرناه استطرادًا.

ما المقصود بشرط (اتصال السند) لصحة الحديث؟

كنا قد ذكرنا أن السند هو: سلسلة الرجال الموصلة للمتن.
ومعنى اتصال السند هو أن يتلقاه كل راو في السند من الذي فوقه فيه مباشرة.
وسبب اشتراط هذا الشرط أنّ الحديث حتى يكون صحيحًا لا بدّ أن يتصف هؤلاء الرجال الذين نقلوه لنا بصفتين ضروريتين للأخذ بما ينقلونه، وهما: 
** صفة العدالة، وهي مَلَكَةٌ تحمل صاحبها على الاستقامة في الأقوال والأفعال، وبهذه نضمن عدم تعمده الكذب في الحديث. 
** صفة  الضبط، وهي أن يسلم الراوي من الغلط الفاحش، وسوء الحفظ، والغفلة، وكثرة الأوهام، ومخالفة الثقات.
وهنا لو افترضنا أن السند فيه انقطاع، أي أن هناك حلقة – أو حلقات – مفقودة في السند، فإن الراوي الذي لا نعرفه قد يكون غير متّصفٍ بهاتين الصفتين، فقد يكون ضعيفًا (غير عَدْلٍ، أو غير ضابط).
وبوجود هذا الاحتمال لا يمكن الحكم على الحديث بالصحة.

هل هناك استثناءات بالنسبة لهذا الشرط؟

قلنا أن سبب اشتراط هذا الاتصال هو ضرورة معرفتنا باتصاف الراوي غير المذكور في السند بصفتي العدالة والضبط، وهناك بعض الحالات التي صحح فيها بعض العلماء الحديث رغم وجود انقطاع فيه، وسبب تصحيحهم إياه أنه يغلب على الظن توفر هاتين الصفتين في الراوي غير المذكور.
ومن أمثلة ذلك: 
** جهالة الصحابي، وهي تَرِدُ بصورتين:
الأولى منهما أن لا يذكر الراوي اسم الصحابي، وإنما يذكر صفة له، كأن يقول التابعي الذي نعلم ضبطه وعدالته: حدثني أحد أصحاب رسول الله ص بكذا وكذا.
والثانية هي ما يسمونه مراسيل الصحابة، وهي الأحاديث التي يرويها الصحابة دون أن يكونوا قد سمعوها من الرسول ص، ومن ذلك أكثر الروايات الواردة عن ابن عباس، إذ أن سنّه عندما توفي الرسول ص كان نحو (13) عامًا، والأحاديث التي يرويها لم يسمع كثيرًا منها من الرسول ص –  وفيها روايات عن أحداث حدثت قبل مولده – بل سمعها من غيره من الصحابة.
وأكثر أهل العلم يحتجون بمراسيل الصحابة، فلا يرونها ضعيفة، لأن الصحابي الذي يروي حديثًا لم يتيسر له سماعه بنفسه مِنْ رَسُولِ اللهِ ص غالبًا ما تكون روايته عن صحابي آخر قد تحقق أَخْذُهُ عَنْ الرَّسُولِ ص، فسقوط الصحابي الآخر من السند لا يضر كما أن جهل حاله لا يضعف الحديث، لأن الجهالة بالصحابي غير قادحة، إذ الصحابة كلهم عدول. 
**  وصف المجهول بأنه ثقة
الحالة السابقة، المتعلقة بكون المجهول صحابيًّا، صحح أكثر العلماء الأحاديث الواردة بها رغم الجهالة، لعدالة الصحابة.
أما هذه الحالة فالجمهور على عدم الحكم بصحة الحديث، وإن كان هناك علماء قد قالوا بتصحيحه.
وصورة هذه المسألة أن يقول الراوي المعتمد على جرحه وتعديله: حدثني الثقة، أو حدثني من لا أتّهم.
فقد ذهب الجمهور إلى أن التعديل على الإبهام من غير تسمية المعدَّل لا يجزئ؛ لأنه قد يكون ثقة عنده، مجروحٌ عند غيره.
وقد ذهب البعض من العلماء إلى تصحيح مثل هذا الحديث رغم الجهالة، اعتمادًا على أنه لو ذكر الراوي عنه اسمه، ووصفه بالعدالة، فإن كلامه يعتمد.

ما تأثير انقطاع السند (عدم اتصاله) على الحديث؟ 

حكم العلماء على الأحاديث (المنقطعة) التي لم تتصل أسانيدها بالضعف، وقد أطلقوا عليها أسماء تميز نوع الانقطاع فيها، ومن ذلك: المعلّق، المرسل، المعضل، المنقطع، المدلس، المرسل الخفي.
وقد تتفاوت مراتب الضعف في هذه الأحاديث، فليست كلها بنفس المستوى من الضعف.

بعد انحسار العاصفة

الآن وقد هدأت عاصفة الجدل حول الماراثون (المختلط) الذي نظمته جمعية تنظيم وحماية الأسرة في الخليل، ذلك الماراثون الذي استفز أهل هذه المدين...